من مال ) وفي رواية: من ذهب . ( لابتغى ) أي لطلب ( ثالثًا ) أي واديًا آخر أعظم منهما ذخرًا ، وهلم جرا كما يشير إليه بقوله: ( ولا يملأ جوف ابن آدم ) أي بطنه أو وسط عينه ( إلا التراب ) أي تراب القبر . ففيه تنبيه نبيه على أن البخل المورث للحرص مركوز في جبلة الإنسان كما أخبر الله عنه سبحانه في القرآن حيث قال: أبلغ من هذا الحديث والمقال: 16 ( { قل لو أنتم تملكون خزائن رحمة ربي إذا لأمسكتم خشية الإنفاق وكان الإنسان قتورًا } ) [ الإِسراء 100 ] . فهذا يدل على أن حرص ابن آدم وخوفه من الفقر الباعث له على البخل حتى على نفسه ، أقوى من الطير الذي يموت عطشًا على ساحل البحر خوفًا من نفاده ، ومن الدودة التي قوتها التراب وتموت جوعًا خشية من فراغة ، لأن ما ذكر من الماء والتراب في جنب خزائن رحمة رب الأرباب كقطرة من السحاب . ( ويتوب الله ) أي يرجع بالرحمة ( على من تاب ) أي رجع إليه بطلب العصمة ، أو يتفضل الله بتوفيق التوبة وتحقيق استعادة العقبى على من تاب ، أي من محبة الدنيا والغفلة عن حضرة المولى . قال النووي [ رحمه الله ] : معناه أنه لا يزال حريصًا على الدنيا حتى يموت ويمتلىء جوفه من تراب قبره . وهذا الحديث خرج على حكم غالب بني آدم في الحرص على الدنيا ، ويؤيده قوله ويتوب الله على من تاب وهو متعلق بما قبله . ومعناه: أن الله يقبل التوبة من الحرص المذموم وغيره من المذمومات . قال الطيبي [ رحمه الله ] : ويمكن أن يقال معناه: إن بني آدم كلهم مجبولون على حب المال والسعي في طلبه وأن لا يشبع منه إلا من عصمه الله تعالى ووفقه لإزالة هذه الجبلة عن نفسه ، وقليل ما هم ، فوضع ويتوب الله على من تاب موضعه إشعارًا بأن هذه الجبلة المركوزة فيه مذمومة جارية مجرى الذنب ، وأن إزالتها ممكنة ولكن بتوفيق الله وتسديده . ونحوه قوله تعالى: 16 ( { ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون } ) [ الحشر 9 ] . أضاف الشح إلى النفس دلالة على أنها غريزة فيها ، وبين إزالته بقوله: يوق . ورتب عليه قوله: 16 ( { فأولئك هم المفلحون } ) [ الحشر 9 ] . وههنا نكتة دقيقة ، فإنه ذكر ابن آدم تلويحًا إلى أنه مخلوق من التراب ومن طبيعته القبض واليبس ، فيمكن إزالته بأن يمطر الله عليه السحائب من غمائم توفيقه فيثمر حينئذ الخصال الزكية والشمائل الرضية كما قال تعالى جلَّ جلاله: 16 ( { والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدًا } ) [ الأعراف 58 ] . فمن لم يتداركه التوفيق وتركه وحرصه لم يزدد إلا حرصًا وتهالكًا على جمع المال . وموقع قوله: ولا يملأ جوف ابن آدم . موقع ركوز الجبلة ونيط به حكم أشمل وأعم كأنه قيل: ولا يشبع من خلق من التراب إلا بالتراب ، وموقع ويتوب الله على من تاب موقع الرجوع يعني: إن ذلك لعسير صعب ولكن يسير على من يسره الله تعالى عليه ، فحقيق أن لا يكون هذا من كلام البشر بل هو من كلام خالق القوى والقدر . روينا عن الترمذي عن أبي بن كعب أن رسول الله قال: إن الله أمرني أن أقرأ عليك القرآن فقرأ عليه: 16 ( { لم يكن الذين كفروا } ) [ البينة 1 ] ، وقرأ فيها: إن الدين عند الله الحنيفية المسلمية لا اليهودية ولا النصرانية ولا المجوسية ومن يعمل خيرًا فلن يكفر ، وقرأ عليه: وأن لابن آدم واديًا من مال لابتغى إليه