فهرس الكتاب

الصفحة 4918 من 6013

بأن الله هو الرزاق المتكفل للأرزاق ، وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها ، فمن تيقن هذا زهد في الدنيا فلم يأمل ولم يبخل لأن البخيل إنما يمسك المال لطول الأمل وعدم اليقين . رُوِيَ عن الأصمعي أنه قال: تلوت على أعرابي: 16 ( { والذاريات } ) . فلما بلغت قوله: 16 ( { وفي السماء رزقكم وما توعدون } ) [ الذاريات 22 ] . قال: حسبك . وقام إلى ناقته فنحرها ووزعها على من أقبل وأدبر ، وعمد إلى سيفه وقوسه فكسرهما وولى . فلقيته في الطواف قد نحل جسمه واصفر لونه فسلم علي واستقرأ السورة فلما بلغت الآية صاح وقال: قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًا . قال: وهل غير هذا . فقرأت: 16 ( { فورب السماء والأرض أنه لحق } ) [ الذاريات 23 ] . فصاح وقال: يا سبحان الله من ذا الذي أغضب الجليل ، حتى حلف فلم يصدقوه بقوله حتى ألجأه إلى اليمين قالها ثلاثًا وخرجت معها نفسه . ( رواه البيهقي في شعب الإِيمان ) .

( 5282 ) ( وعن سفيان الثوري ) أي الكوفي إمام المسلمين وحجة الله على خلقه أجمعين ، جمع زمنه بين الفقه والاجتهاد فيه . والحديث والزهد والعبادة والورع والعفة وإليه المنتهى في علم الحديث وغيره من العلوم ، أجمع الناس على دينه وزهده وورعه وثقته ، ولم يختلفوا في ذلك . وهو أحد الأئمة المجتهدين وأحد أقطاب الإِسلام وأركان الدين . ولد في أيام سليمان بن عبد الملك سنة تسع وتسعين ، سمع خلقًا كثيرًا وروى عن معمر والأوزاعي وابن جريج ومالك وشعبة وابن عيينة وفضيل بن عياض وخلق كثير سواهم ، مات سنة إحدى وستين ومائة ذكره المؤلف . ( قال: ليس الزهد في الدنيا بلبس الغليظ ) أي في الغزل ( والخشن ) بفتح فكسر ، أي في النسج . ( وأكل الجشب ) بفتح الجيم وكسر الشين المعجمة ، أي ولا يأكل الغليظ الجشب من الطعام . وقيل: غير المأدوم ( إنما الزهد في الدنيا قصر الأمل ) بكسر قاف ففتح صاد . وفي نسخة بضم فسكون ، أي اقتصار الأمل والاستعداد للأجل بالمسارعة إلى التوبة والعلم والعمل . وحاصلة أن الزهد الحقيقي هو ما يكون في الحال القلبي من عزوب النفس عن الدنيا وميلها إلى العقبى ، وليس المدار على الانتفاع القالبي فإنه يستوي الأمران فيه باعتبار الحقيقة ، وإن كان التقشف في اللبس والتقلل في كمية الأكل وكيفيته له تأثير بليغ في استقامة العبد على الطريقة . والحاصل أن حب الدنيا في القلب هو المهلك للهالك لا وجودها على قالب السالك . وشبه القلب بالسفينة حيث أن الماء المشبه بالدنيا في قوله تعالى: 16 ( { إنما مثل الحياة الدنيا كماء أنزلناه من السماء } ) [ يونس 24 ] . إن دخل داخل السفينة أغرقها مع أهلها ، وإن كان خارجها وحولها سيرها وأوصلها إلى محلها . ولذا قال: نعم المال الصالح للرجل الصالح . وقد اختار جماعة من الصوفية وأكابر الملامية لبس العوام وبعضهم لبس أكابر الفخام تسترًا

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت