وحاصله أن المال الحلال يقي صاحب الحال من الوقوع في الشبهة والحرام ويمنعه من ملازمة الظلمة ومصاحبتهم في الظلام ، أو يتستر به المؤمن عن الرياء والسمعة والشهرة عند العوام . ( وقال: لولا هذه الدنانير ) أي وجودها عندنا وظهور استغنائنا بها عند الخلق ( لتمندل بنا هؤلاء الملوك ) أي لجعلونا مناديل أوساخهم وهي كناية عن الابتذال والمذلة للظلمة ، أو عن موافقتهم في تصويرات إساءة حيل المسألة . قيل: هو مأخوذ من الندل وهو الوسخ . قيل لبعضهم: إن المال يدنيك من الدنيا ، فقال: لئن أدناني من الدنيا لقد صانني عنها . وقيل: لأن أترك مالًا يحاسبني الله عليه خير من أن أحتاج إلى الناس . يعني: احتياجي إلى الله خير من احتياجي إلى ما سواه . وقد أخرج الطبراني في الأوسط عن المقدام بن معدي كرب مرفوعًا به: يأتي على الناس زمان من لم يكن معه أصفر ولا أبيض لم يتهن بالعيش . وهو عند الإِمام أحمد بلفظ: يأتي على الناس زمان لا ينفع فيه إلا الدرهم والدينار . هذا وقد قيل: الدراهم للجراحات مراهم . ( وقال: ) أي الثوري ( من كان في يده من هذه ) أي الدنانير والأموال ( شيء ) أي قليل على قدر الكفاية ( فليصلحه ) أي ليصرفه على وجه القناعة أو لا يتلفه بل يستزده بنوع من التجارة ( فإنه ) أي زماننا ( زمان ) أي عجيب من وصفه ( إن احتاج ) أي الشخص فيه ( كان أول من يبذل دينه ) أي لتحصيل دنياه ، وأول منصوب وقيل مرفوع . قال الطيبي [ رحمه الله ] : أي كان ذلك الشخص أول شخص يبذل دينه فيما يحتاج إليه هو ، ولو حمل من على ما كما نقل المالكي عن قطرب لكان أبين . ويؤيده رواية الكشاف: كان أوّل ما يأكل دينه . فما موصوفة وأول اسم كان ودينه خبره . قلت: ويمكن عكسه ، بل هو الأظهر فتدبر . ( وقال: ) أي الثوري ( الحلال ) أي لأنه قليل الوجود في المال ( لا يحتمل السرف ) أي صرفه بالإِكثار . قال الطيبي [ رحمه الله ] : يحتمل معنيين ، أحدهما أن الحلال لا يكون كثيرًا فلا يحتمل الإِسراف ، وثانيهما أن الحلال لا ينبغي أن يسرف فيه ثم يحتاج إلى الغير انتهى . وفي كل منهما نظر إذ معنى الإِسراف هو التجاوز عن الحد بأن يصرفه في غير محله زيادة على قدره ، وهو يحتمل في القليل والكثير ويشمل المال الحلال والحرام . فالأوجه أن يقال: إن الحلال من خاصيته أنه لا يقع في الإِسراف كصرفه في الماء والطين بلا ضرورة ، وكزيادة إعطاء الأطعمة على طريق الرياء والسمعة . ولذا قيل: لا سرف في خير ولا خير في سرف . وفيه تنبيه أنه ينبغي للطالب أن يجتهد في تحصيل الحلال ولو كان القليل من المال وأن يقنع به ولا يصرفه على طريق الإِسراف لئلا يحوج نفسه إلى الأكابر والأشراف . ( رواه في شرح السنة ) .
( 5292 ) ( وعن ابن عباس قال: قال رسول الله: ينادي مناد يوم القيامة