يتصوّر إلا فيما يتعلق به رياء وسمعة ، وأيضًا إذا أقبل الناس عليه بوجوههم ربما زاد في العبادة وحصل له عجب وغرور فصار من الهالكين إلا أن يتداركه الله بفضله وجعله من المخلصين . وتوضيحه أن الإِنسان يشتغل بالأشياء على حرص شديد ومبالغة عظيمة في أوّل الأمر ثم إن تلك الشرة يتبعها فترة فإن كان مقتصدًا محترزًا عن جانبي الإفراط والتفريط وسالكًا الطريق المستقيم فارجو كونه من الفائزين الكاملين ، وإن سلك طريق الإفراط حتى يشار إليه بالأصابع فلا تلتفتوا إليه ولا تعولوا عليه فإنه ربما يكون من الهالكين لكن لا تجزموا بأنه من الخاسرين ولا تعدوه منهم ، لكن لا ترجوه كما رجوتم المقتصد إذ قد يعصم الله في صورة الإِفراط والشهرة كما أنه قد يعفو عن صاحب التفريط وراعي التقصير في العبادة . قال الطيبي [ رحمه الله ] : ويؤيد هذا التأويل الحديث الذي يليه والإِستثناء فيه فترك ما للقسم الثالث لظهوره ( رواه الترمذي ) ورواه البيهقي عن ابن عمر مرفوعًا ولفظه: إن لكل شيء شرة ولكل شرة فترة فمن كانت فترته إلى سنتي فقد اهتدى ومن كانت فترته إلى غير ذلك فقد هلك .
( 5326 ) ( وعن أنس عن النبي قال: بحسب امرىء ) الباء زائدة أي يكفيه ( من الشر أن يشار إليه بالأصابع في دين أو دنيا ) فإن من اشتهر بخصلة قلما سلم من الآفات الخفية كالكبر والعجب والرياء والسمعة وغير ذلك من الأخلاق الدنية ( إلا من عصمه الله ) أي حفظه الله في مقام تقواه . ولذا اختار طائفة من الصوفية طريق الملامية في كتمان العبادات الدينية إظهارًا للشهوات النفسانية الدنية . قيل للحسن البصري: إن الناس قد أشاروا إليك بالأصابع . فقال: لا يريد النبي ذلك وإنما عنى به المبتدع في دينه الفاسق في دنياه . انتهى . ووجهه أن الإِشارة إنما تكون في البدعة والغرابة ، لكن قد توجد في الكثرة المجاوزة عن حد العادة فيحصل به الإِشارة والشرة فتارة تفضي بصاحبها إلى الرياء والسمعة والطمع من الناس في المنزلة ، وتارة يعصمه الله من نظر ما سواه فلا يلتفت إلى غيره ويعرف أن الغير لا يقدر على دفع الشر ولا جلب الخير ولا اعتبار بالخلق مدحًا وذمًا لا في العبارة ولا في الإِشارة ، فإنه ما أيسر الدعوى وما أعسر المعنى فهذه حالة فيها إشارة إلى كمال البشارة لكنه مزلة الأقدام للرجال ومزلقة أفهام الجبال كما ورد: لا يؤمن أحدكم حتى يكون الخلق عنده كالأباعر . وتوضيحه ما ذكره الطيبي [ رحمه الله ] بأحسن عبارة وأزين إشارة حيث قال: وبين الحال . يعني: حب الرئاسة والجاه في قلوب الناس هو من أخر غوائل النفس ومواطن مكائدها يبتلى به العلماء والعباد والمشمرون عن ساق الجد لسلوك طريق الآخرة من الزهاد ، فإنهم مهما قهروا أنفسهم وفطموها عن الشهوات وصانوها عن الشبهات وحملوها بالقهر على أصناف العبادات