وأما من بعدهم فطاعاتهم المشحونة بالغرور والعجب والرياء أسباب للمعاصي ووسائل لعقوبات العاصي غالبًا إلا أن يتفضل الله برحمته وعين عنايته بأن يلحق المسيئين بالمحسنين . بل قال بعض العارفين: معصية أورثت ذلًا واستصغارًا خير من طاعة أورثت عجبًا واستكبارًا . ( فقلت: إن أباك ) أي عمر ( والله كان خيرًا من أبي ) أي أبي موسى في كل شيء ، فهذا كذلك لأن كلام السادات سادات الكلام ، وكيف وهو الناطق بالصواب والفاروق الذي يفرق بين الحق والباطل من كل باب والموافق رأيه نزول الكتاب وقد طابق قوله حديثه: أنا أعلمكم بالله وأخشاكم له . وقال سبحانه وتعالى: 16 ( إنما يخشى الله من عباده العلماء ) [ فاطر 28 ] . هذا وقال الطيبي [ رحمه الله ] : قوله: لوددت ، خبر لكني مع اللام وهو ضعيف . ويجوز أن يكون لوددت جواب القسم والجملة القسمية خبر لكني على التأويل . قلت: بل الحديث حجة للكوفيين . ففي المغني ولا يدخل اللام في خبر لكن خلافًا للكوفيين احتجوا بقوله: %(
* ولكنني من حبها لعميد * )%
وخرج على زيادة اللام أو على أن الأصل [ لكن إنني ] ثم حذفت الهمزة تخفيفًا ونون لكن للساكنين . قلت: هذه كلها تكلفات بعيدة وتعسفات مزيدة ما أنزل الله بها من سلطان ولا دليل ولا برهان . فالصواب أنها للتأكيد كما جوز في بعض أخوات لكن على القياس السديد ، لا سيما وقد ورد على لسان الأوحدي من فصحاء العرب بإسناد هو أصح الأسانيد . ( رواه البخاري ) ثم من أعجب الغرائب وأغرب العجائب أنه لو حكى من طريق الأصمعي ونحوه أن أعرابيًا ممن يبول على عقبيه تكلم بمثله نثرًا أو نظمًا أخذ النحاة به وجعلوه أصلًا ممهدًا وأساسًا مؤيدًا . فصدق من قال: إن أدلة الصرفيين والنحويين كنارات بيت العنكبوت فتارة تطرد وتارة تفوت .
( 5358 ) ( وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله: أمرني ربي بتسع ) أي خصال ( خشية الله ) بالجر ويجوز اخشاه أي خوفه المقرون بالعظمة . ( في السر والعلانية ) أي في القلب والقالب أو في الخلا والملا ( وكلمة العدل في الغضب والرضى ) بالقصر ، أي في الحالين . ( والقصد ) أي الاقتصاد في المعيشة أو التوسط بين الصبر والشكر غير خارج عنهما بالجزع والطغيان . ( في الفقر والغنى ، وأن أصل من قطعني ) أي من ذوي الأرحام أو غيرهم ، وهذا غاية الحلم ونهاية التواضع . ( وأعطي من حرمني ) وهذا لكمال الكرم والجود ( وأعفو عمن ظلمني ) أي مع قدرتي على الانتقام وهذا نتيجة الصبر وقضية الشكر ورعاية الإحسان والرحمة على أفرا