فهرس الكتاب

الصفحة 5004 من 6013

قومه ومنغمسًا في نعمته . لكن ينافيه بعض المنافاة ما وقع له مع عمر حيث بكى عمر رضي الله [ تعالى ] عنه لما رأى النبي مضطجعًا على حصير سرير ليس بينه وبينه شيء وقد أثر الحصير على بدنه الشريف ، وتذكر عمر تنعم كسرى وقيصر فقال له: أأنت في هذا المقام يا عمر أما ترضى أن تكون لهم الدنيا ولنا الآخرة . فالأولى أن يحمل البكاء على الفرح في أنه وجد في أمته من اختار الزهد في الدنيا والإِقبال على العقبى أو على الحزن في فقد ما عنده من بعض المساعدة لبعض الكسوة أو المعاونة في بعض المعيشة والله [ تعالى ] أعلم . ويؤيد تأويلنا نقل الراوي . ( ثم قال رسول الله: كيف ) أي الحال ( بكم إذا غدا ) أي ذهب أول النهار و ( أحدكم في حلة ) بضم فتشديد ، أي في ثوب أو في إزار ورداء . ( وراح ) أي ذهب آخر النهار ( في حلة ) أي أخرى من الأولى . قال ابن الملك: أي كيف يكون حالكم إذا كثرت أموالكم بحيث يلبس كل منكم أول النهار حلة وآخره أخرى من غاية التنعم . ( ووضعت بين يديه صحفة ) أي قصعة من مطعوم ( ورفعت أخرى ) أي من نوع آخر كما هو شأن المترفين من طائفة الأروام ، وهو كناية عن كثرة أصناف الأطعمة الموضوعة على الأطباق بين يدي المتنعمين من طبقة الأعجام . ( وسترتم بيوتكم ) بضم الموحدة وكسرها أي جدرانها . والمعنى زينتموها بالثياب النفيسة من فرط التنعم . ( كما تستر الكعبة ) وفيه إشارة إلى أن سترها من خصوصياتها لإمتيازها ( فقالوا: يا رسول الله نحن يومئذ خير منا اليوم ) وبينوا سبب الخيرية بقولهم مستأنفًا فيه معنى التعليل . ( نتفرغ ) أي عن العلائق والعوائق ( للعبادة ) أي بأنفسنا ( ونكفى ) بصيغة المجهول المتكلم ( المؤونة ) أي بخدمنا . والواو لمطلق الجمع . فالمعنى ندفع عنا تحصيل القوت لحصوله بأسباب مهيأة لنا فنتفرغ للعبادة من تحصيل العلوم الشرعية والعمل بالخيرات البدنية والمبرات المالية . ( قال: ) وفي نسخة: فقال . ( لا ) أي ليس الأمر كما ظننتم ( أنتم اليوم خير منكم يومئذ ) لأن الفقير الذي له كفاف خير من الغني لأن الغني يشتغل بدنياه ولا يتفرغ للعبادة مثل من له كفاف لكثرة اشتغاله بتحصيل المال . فالحديث صريح في تفضيل [ الفقير ] الصابر على الغني الشاكر ، فإن الغني بالنسبة إلى الصحابة وهم أقوياء إذا كان كذلك فما بال غيرهم من الضعفاء . ويؤيده ما رواه الديلمي في الفردوس عن ابن عمر مرفوعًا: ( ما زويت الدنيا عن أحد إلا كانت خيرة له ) . أقول: قوله: عن أحد ، على عمومه فإن الكافر الفقير عذابه أخف من الكافر الغني في النار فإذا نفع الفقر الكافر في تلك الدار فكيف لا ينفع المؤمن الصابر في دار القرار . ( رواه الترمذي ) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت