الشراب في نفوذ المسام وتنفيذ المرام . ومنه قول تعالى: 16 ( { وأُشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم } ) [ البقرة 93 ] أي حب العجل وإلاشراب خلط لون بلون كأن أحد اللونين شرب الآخر وكسي لونًا آخر . فالمعنى جعل متأثرًا بالفتن بحيث يتداخل فيه حبها كما يتداخل الصبغ الثوب . ( نكتت ) بصيغة المجهول ، أي نقطت وأثرت . ( فيه ) أي في قلبه ( نكتة سوداء ) وأصل النكت ضرب الأرض بقضيب فيؤثر فيها . ( وأي قلب أنكرها ) أي رد الفتن وامتنع من قبولها ( نكتت فيه نكتة بيضاء ) أي إن لم تكن فيه ابتداء وإلا فمعنى نكتت أثبتت فيه ودامت واستمرت . ( حتى ) غاية للأمرين ( تصير ) بالفوقية وفي نسخة بالتحتية ، أي تصير قلوب أهل ذلك الزمان أو يصير الإِنسان باعتبار قلبه أو يصير قلبه . ( على قلبين ) أي نوعين أو صفتين ( أبيض ) بالرفع أي أحدهما أبيض ( مثل الصفا ) بالقصر ، أي مثل الحجر المرمر الأملس من غاية البياض والصفا . وفي نسخة بفتحهما على أن الأوّل بدل البعض من قلبين والثاني على الحال منه ، أي مماثلًا ومشابهًا للصفا في النور والبهاء . ( فلا تضره فتنة ) وظلمة وبلية ( ما دامت السموات والأرض ) لأنها قلوب صافية قد أنكرت تلك الفتن في ذلك الزمن فحفظها عنها بعد تلك الساعة إلى يوم القيامة . ( والآخر ) بالرفع وكذا قوله: ( اسود مربادًا ) بكسر الميم وبالدال المشددة من ارباد كاحمار ، أي صار كلون الرماد من الربدة لون بين السواد والغبرة وهو حال أو منصوب على الذم . ( كالكوز ) أي يشبه الآخر الكوز حال كونه ( مجخيًّا ) بضم ميم وسكون جيم وخاء مكسورة مشددة وقد تخفف وياء آخر الحروف . وفي النهاية ورُوِيَ بتقديم الخاء على الجيم ، أي مائلًا منكوسًا مشبهًا من هو خال من العلوم والمعارف بكوز مائل لا يثبت فيه شيء ولا يستقر ، وهذا معنى قوله: ( لا يعرف ) أي هذا القلب ( معروفًا ولا ينكر منكرًا ) والمعنى لا يبقى فيه عرفان ما هو معروف ولا إنكار ما هو منكر . ( إلا ما أشرب ) أي القلب ( من هواه ) أي فيتبعه طبعًا من غير ملاحظة كونه معروفًا أو منكرًا شرعًا . هذا مجمل الكلام وتفصيله ما ذكره الشراح الكرام في هذا المقام ، قال القاضي [ رحمه الله ] : أي حتى يصير جنس الإِنس على قسمين قسم ذو قلب أبيض كالصفا وذو قلب أسود مربدًا . قال المظهر: الضمير في يصير للقلوب أي تصير القلوب على نوعين أحدهما أبيض وثانيهما أسود . قال التوربشتي [ رحمه الله ] : الصفا الحجارة الصافية الملساء ، وأريد به هنا النوع الذي صفا بياضه وعليه نبه بقوله: أبيض . وإنما ضرب المثل به لأن الأحجار إذا لم تكن معدنية لم تتغير بطول الزمان ولم يدخلها لون آخر لا سيما النوع الذي ضرب به المثل فإنه أبدًا على البياض الخالص الذي لا يشوبه كدرة . وإنما وصف القلب بالربدة لأنه أنكر ما يوجد من السواد بخلاف ما يشوبه صفاء وتعلوه طراوة من النوع الخالص . وفي شرح مسلم قال القاضي عياض [ رحمه الله تعالى ] : ليس