تشبيهه بالصفا بيانًا لبياضه لكنه صفة أخرى لشدته على عقد الإِيمان وسلامته من الخلل وإن الفتن لم تلصق به ولم تؤثر فيه كالصفا وهو الحجر الأملس الذي لا يعلق به شيء . وأما قوله: مربادًا فكذا هو في روايتنا وأصول بلادنا وهو منصوب على الحال . وذكر القاضي عياض [ رحمه الله ] خلافًا في ضبطه فإن منهم من ضبطه كما ذكرناه ومنهم من روى مربئد بهمزة مكسورة بعد الباء ، وأصله أن لا يهمز ويكون مربدًا مثل مسود ومحمر لأنه من أربد إلا على لغة من قال احمأر بهمز بعد الميم لإلتقاء الساكنين . فيقال أربأد فهو مربئد والدال مشددة على القولين . قال المظهر: قوله: إلا ما أشرب . يعني لا يعرف القلب إلا ما قيل من الاعتقادات الفاسدة والشهوات النفسانية . وقال الطيبي [ رحمه الله ] : ولعله أراد من باب تأكيد الذم بما يشبه المدح ، أي ليس فيه خير البتة إلا هذا وهذا ليس بخير فيلزم منه أن لا يكون فيه خير . ( رواه مسلم ) .
( 5381 ) ( وعنه ) أي عن حذيفة ( قال: حدثنا رسول الله حديثين ) أي في أمر الأمانة الحادثة في زمن الفتنة وبهذا يظهر وجه مناسبة ذكرهما في الباب . قال النووي [ رحمه الله ] : الأول حدثنا أن الأمانة نزلت إلى آخره ، والثاني حدثنا عن رفعها . ( رأيت أحدهما ) وهو نزول الأمانة ( وأنا أنتظر الآخر ) وهو رفع الأمانة ( حدثنا ) وهو الحديث الأول ( إن الأمانة ) وهي الإِيمان ، ومنه قوله تعالى: 16 ( { إنا عرضنا الأمانة } ) [ الأحزاب 72 ] . وعبر عنه بها لأنها مدار أمر الديانة . ( نزلت في جذر قلوب الرجال ) بفتح الجيم ويكسر ، أي أصل قلوبهم . قال شارح: جذر كل شيء أصله ، أي أن الأمانة أول ما نزلت في قلوب رجال الله واستولت عليها فكانت هي الباعثة على الأخذ بالكتاب والسنة ، وهذا هو المعنى بقوله: ( ثم علموا ) أي بنور الإِيمان ( من القرآن ) أي مما يتلقون عنه واجبًا كان أو نفلًا حرامًا أو مباحًا مأخوذًا من الكتاب أو الحديث . وقوله: ( ثم من السنة ) وفي نسخة صحيحة: ثم علموا من السنة . فيه إشارة إلى تأخير رتبة المأخوذ من الحديث بالنسبة إلى نص كلام القديم . قال النووي [ رحمه الله ] : الظاهر أن المراد بالأمانة التكليف الذي كلف الله تعالى بها عباده والعهد الذي أخذه عليهم . قال صاحب التقرير: الأمانة في الحديث هي الأمانة المذكورة في قوله تعالى: 16 ( { إنا عرضنا الأمانة } ) . وهي عين الإِيمان انتهى . والظاهر أن المراد بالعهد في كلام النووي العهد الميثاقي