ما اجترحوا من الذنوب حتى إذا استيقظوا من منامهم لم يجدوا قلوبهم على ما كانت عليه ويبقى فيه أثر تارة مثل الوكت وتارة مثل المجل ، وهو انتفاظ اليد من العمل والمجل وإن كان مصدرًا ، إلا أن المراد به ههنا نفس النفطة وهذا أقل من المرة الأولى لأنه شبهها بالمجوف بخلاف المرة الأولى أراد به خلو القلب عن الأمانة مع بقاء أثرها من طريق الحساب . ( ويصبح الناس ) أي يدخلون في الصباح أو يصيرون ( يتبايعون ) أي يجري بينهم التبايع ويقع عندهم التعاهد ( ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة ) بل يظهر من كل أحد منهم الخيانة في المبايعة والمواعدة والمعاهدة . ومن المعلوم أن حفظ الأمانة أثر كمال الإيمان فإذا نقص الأمانة نقص الإيمان وبطل الإِيقان وزال الإِحسان . ( فيقال: ) أي من غاية قلة الأمانة في الناس . ( إن في بني فلان رجلًا أمينًا ) أي كامل الإِيمان وكامل الأمانة ( ويقال ) أي في ذلك الزمان ( للرجل: ) أي من أرباب الدنيا ممن له عقل في تحصيل المال والجاه وطبع في الشعر والنثر وفصاحة وبلاغة وصباحة وقوة بدنية وشجاعة وشوكة . ( ما أعقله وما أظرفه وما أجلده ) تعجبًا من كماله واستغرابًا من مقاله واستبعادًا من جماله . وحاصله أنهم يمدحونه بكثرة العقل والظرافة والجلادة ويتعجبون منه ولا يمدحون أحدًا بكثرة العلم النافع والعمل الصالح . ( وما في قلبه ) حال من الرجل والحال أنه ليس في قلبه . ( مثقال حبة ) أي مقدار شيء قليل ( من خردل ) من بيانية لحبة أي هي خردل . ( من إيمان ) أي كائنًا منه . وهو يحتمل أن يكون المراد منه نفي أصل الإِيمان أو كماله والله [ تعالى ] أعلم . قال الطيبي [ رحمه الله ] : لعله إنما حملهم على تفسير الأمانة في قوله: إن الأمانة نزلت بالإيمان لقوله آخرًا: وما في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ، فهلا حملوها على حقيقتها لقوله: ويصبح الناس يتبايعون ولا يكاد أحد يؤدي الأمانة فيكون وضع الإيمان آخرًا موضعها تفخيمًا لشأنها وحثًا على أدائها . قال: لا دين لمن لا أمانة له . قلت: إنما حملهم عليه ما ذكر آخرًا وما صدر أولًا من قوله: نزلت في جذر قلوب الرجال ، فإن نزول الأمانة بمعنى الإِيمان هو المناسب لأصل قلوب المؤمنين ، ثم يعلمون إيقانه واتقانهم بتتبع الكتاب والسنة . وأما الأمانة فهي جزئية من كلية ما يتعلق بالإيمان والقرآن والله سبحانه [ وتعالى ] أعلم . ( متفق عليه ) .
( 5382 ) ( وعنه ) أي عن حذيفة رضي الله تعالى عنه ( قال: كان الناس ) أي أكثرهم