( يسألون رسول الله عن الخير ) أي عن الطاعة ليمتثلوها أو عن السعة والرخاء ليفرحوا به ويستعينوا بالدنيا على الأخرى ( وكنت أسأله عن الشر ) أي عن المعصية أو الفتنة المترتبة على التوسعة . ( مخافة أن يدركني ) أي خشية أن يلحقني الشر نفسه أو بسببه . وهذا الطريق هو مختار الحكماء وكثير من الفضلاء أن رعاية الاحتماء أولى في دفع الداء من استعمال الدواء ، وأن التخلية مقدمة على التحلية . وفي كلمة التوحيد إشارة إلى ذلك حيث نفي السوي ثم أثبت المولى ، بل مدار جل معرفة الله [ سبحانه ] على النعوت التنزيهية كقوله تعالى [ جلَّ جلاله ] : 16 ( { ليس كمثله شيء } ) [ الشورى 11 ] . دون الصفات الثبوتية لظهور وجودها في خالق الأشياء بالضرورة العقلية . قال الطيبي [ رحمه الله تعالى ] : المراد بالشر الفتنة ووهن عرى الإِسلام واستيلاء الضلالة وفشو البدعة ، والخير عكسه يدل عليه ما نقله الراوي عنه . ( قال: قلت: يا رسول الله إنا كنا في جاهلية ) أي أيام غلب فيها الجهل بالتوحيد والنبوة وما يتبعهما من سائر أحكام الشريعة . فقوله: ( وشر ) عطف تفسيري أو المعني به الكفر فهو تخصيص بعد تعميم . ( فجاءنا الله بهذا الخير ) أي الخير العظيم وهو الإِسلام ببركة بعثتك . ومفهومه أنه ذهب بالشر عنا بهدم قواعد الكفر والضلال ولعله حذف وجعل من باب الاكتفاء لا سيما وهما ضدان لا يجتمعان . ( فهل بعد هذا الخير ) أي الثابت ( من شر ) أي من حدوث بعض شر ( قال: نعم . قلت: وهل بعد ذلك الشر من خير . قال: نعم وفيه دخن ) بفتحتين ، أي كدورة إلى سواد . والمراد أن لا يكون خيرًا صفوًا بحتًا بل يكون مشوبًا بكدورة وظلمة . ( قلت: وما دخنه . قال: قوم يستنون ) بتشديد النون الأولى ، أي يقتدون . ( بغير سنتي ويهدون ) أي يدلون الناس ( بغير هديي ) أي بغير طريقتي ويتخذون سيرة غير سيرتي . ( تعرف منهم وتنكر ) قال المظهر: أي ترى فيهم ما تعرفه أنه من ديني وترى أيضًا ما تنكر أنه ديني . قال الأشرف: يعرف منهم المنكر بأن يصدر المنكر عنهم ، وتنكر هو خبر بمعنى الأمر ، أي أنكر عليهم صدور المنكر عنهم . قال الطيبي [ رحمه الله ] : الوجه الأول راجع إلى معنى قوله: نعم . وفيه دخن ، أي تعرف فيهم الخير فتقبل والشر فتنكر فهو من المقابلة المعنوية ، والوجه الثاني راجع إلى معنى قوله: يستنون بغير سنتي . فالوجه أن يكون المعطوف والمعطوف عليه كلاهما في معنى الأمر ، أي اعرف منهم ذلك وأنكر والخطاب في تعرف وتنكر من الخطاب العام . أقول: وفيه نظر لا يخفى ، إذ ليس كل أحد له قابلية معرفة المعروف وإنكار المنكر فالخطاب خاص لحذيفة وأمثاله من أهل العلم والديانة . قيل: المراد بالشر الأول الفتن التي وقعت عند قتل عثمان رضي الله [ تعالى ] عنه وما بعده ، وبالخبر الثاني ما وقع في خلافة عمر بن عبد العزيز [ رضي الله عنه ] وبالذين تعرف منهم وتنكر الأمراء بعده فكان فيهم من يتمسك بالسنة والعدل ومنهم من يدعو إلى البدعة ويعمل بالجور ، [ أو ] ومنهم من يعمل بالمعروف تارة ويعمل بالمنكر أخرى بحسب ما