فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
رسول الله أفضل من كذا وكذا من عمر بن عبد العزيز ، إذ من القواعد المقررة أن العلماء والأولياء من الأمة لم يبلغ أحد منهم مبلغ الصحابة الكبراء . وقد أشار إلى هذا المعنى قوله سبحانه وتعالى: 16 ( { لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا } ) [ الحديد 10 ] . وكذا قوله تعالى: 16 ( { والسابقون الأوّلون من المهاجرين والأنصار } ) [ التوبة 100 ] . وقوله: 16 ( { والسابقون السابقون أولئك المقربون } ) [ الواقعة 10 و 11 ] . قال المظهر: والثاني أن المراد به من مد لسانه فيه بشتم أو غيبة يقصدونه بالقتل والضرب ويفعلون به ما يفعلون بمن حاربهم . اه . وحاصله أن الطعن في إحدى الطائفتين ومدح الأخرى حينئذ مما يثير الفتنة فالواجب كف اللسان ، وهذا المعنى في غاية من الظهور فتأمل . لكن الطيبي رجح المعنى الأوّل حيث قال: ويؤيد قوله: ولعل المراد بهذه الفتنة الخ ما روينا عن الأحنف بن قيس قال: خرجت وإنما أريد هذا الرجل فلقيني أبو بكرة فقال: أين تريد يا أحنف . قلت: أريد نصر ابن عم رسول الله . قال: فقال: يا أحنف ارجع فإني سمعت رسول الله يقول: إذا توجه المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار . قال: فقلت: يا رسول الله هذا القاتل فما بال المقتول . قال: إنه كان حريصًا على قتل صاحبه . متفق عليه . قلت: محمل هذا الحديث إذا كان القتال بين المسلمين على جهة العصبية والحمية الجاهلية كما يقع كثيرًا فيما بين أهل حارة وحارة وقرية وقرية وطائفة وطائفة من غير أن يكون هناك باعث شرعي لأحدهما . ولا يصح حمل الحديث على إطلاقه الشامل لقضية صفين ونحوها لئلا ينافي قوله تعالى جلَّ شأنه: 16 ( { فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي } ) [ الحجرات 9 ] . ولأن الإجماع على أن قتلى طائفة علي ليسوا في النار فكلام أبي بكرة إما محمول على أنه كان مترددًا متحيرًا في أمر علي ومعاوية ولم يكن يعرف الحق من الباطل ولم يميز أحدهما من الآخر ، وإما فهم من كلام الأحنف أنه يريد حماية العصبية لا إعلاء الكلمة الدينية على ما يشير إليه قوله: أريد نصر ابن عم رسول الله ، ولم يقل: أريد معاونة الإِمام الحق والخليفة المطلق . وبهذا يتبين أن حمل هذه الفتنة على قضية علي لا يجوز ويؤول بما قال الطيبي [ رحمه الله ] . وأما قوله: قتلاها في النار ، فللزجر والتوبيخ والتغليظ عليهم . وأما كف الألسنة عن الطعن فيهم فإن كلًا منهم مجتهد وإن كان علي رضي الله عنه مصيبًا فلا يجوز الطعن فيهما ، والأسلم للمؤمنين أن لا يخوضوا في أمرهما . قال عمر بن عبد العزيز: تلك دماء طهر الله أيدينا منها فلا نلوث ألسنتنا بها . قال النووي [ رحمه الله ] : كان بعضهم مصيبًا وبعضهم مخطئًا معذورًا في الخطأ لأنه كان بالاجتهاد والمجتهد إذا أخطأ لا إثم عليه ، وكان علي رضي الله عنه هو المحق المصيب في تلك الحروب هذا مذهب أهل السنة . وكانت القضايا مشتبهة حتى أن جماعة من الصحابة تحيروا فيها فاعتزلوا الطائفتين ولم يقاتلوا ولو تيقنوا الصواب لم يتأخروا عن مساعدته . قلت: وسبب هذا التحير لم يكن في أن عليًا