النبيين ، وإلا فبعد العلم بالخاتمة فلا يجوز أيضًا الفرض والتقدير به . وقد صرح بعض علمائنا بأنه لو ادعى أحد النبوة فطلب منه شخص المعجزة كفر . وإنما لم يقتله مع أنه ادعى بحضرته النبوة لأنه صبي ، وقد نهي عن قتل الصبيان . أو أن اليهود كانوا يومئذ مستمسكين بالذمة مصالحين أن يتركوا على أمرهم وهو منهم أو من حلفائهم ، فلم تكن ذمة ابن الصياد لتنقض بقوله الذي قال كذا قاله بعض علمائنا من الشراح . وقال ابن الملك: وهذا يدل على أن عهد الوالد يجزىء عن ولده الصغير . وقيل: إنه ما ادعى النبوة صريحًا لأن قوله: أتشهد ، استفهام لا تصريح فيه . وفيه تأييد لما قدمته من احتمال المعنى اللغوي في الرسالة . ( ثم قال لابن صياد: ماذا ترى ) إذ زائدة وما استفهامية ، أي ما تبصر وتكاشف من الأمر الغيبي . ( قال: يأتيني صادق ) أي خبر صادق تارة ( وكاذب ) أي أخرى أو ملك صادق وشيطان كاذب . وقيل: حاصل السؤال أن الذي يأتيك ما يقول لك ، ومجمل الجواب أنه يحدثني بشيء قد يكون صادقًا وقد يكون كاذبًا . ( قال رسول الله: خلط ) بصيغة المجهول مشددًا للمبالغة والتكثير ويجوز تخفيفه ، أي شبه عليك الأمر أي الكذب بالصدق . قال النووي [ رحمه الله ] : أي ما يأتيك به شيطانك مخلط . قال الخطابي: معناه أنه كان له تارات يصيب في بعضها ويخطىء في بعضها فلذلك التبس عليه الأمر . ( قال رسول الله: إني خبأت ) أي أضمرت ( لك ) أي في نفسي ( خبيئًا ) أي اسمًا مضمرًا لتخبرني به . قال ابن الملك: وإنما امتحنه بذلك ليظهر إبطال حاله للصحابة وأنه كاهن يأتيه الشيطان فيلقي على لسانه . ( وخبأ له: 16( { يوم تأتي السماء بدخان مبين } ) ) . الجملة حال بتقدير قد أو بدونه . ( فقال: هو الدخ ) بضم فتشديد ، وقيل بالفتح وحكي الكسر أيضًا . ففي النهاية: الدخ بضم الدال وفتحها الدخان لأنه أراد بذلك: 16 ( { يوم تأتي السماء بدخان مبين } ) [ الدخان 10 ] . وقيل: إن عيسى يقتل الدجال بجبل الدخان فيحتمل أن يكون أراده تعريضًا لقتله . وفي القاموس: الدخ ويضم الدخان . أقول: ولو روي بضم الدال وتخفيف الخاء لكان له وجه في أنه رمز وإشارة إلى الدخان وتصريح بنقصان إدراكه كما هو دأب الكهان . وقال النووي [ رحمه الله ] : وهو بضم الدال وتشديد الخاء المعجمة وهي لغة في الدخان . ومعنى خبأت أضمرت لك اسم الدخان . والصحيح المشهور أنه أضمر له آية الدخان وهي قوله تعالى: 16 ( { فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين } ) . قال القاضي عياض [ رحمه الله ] : وأصح الأقوال أنه لم يأت من الآية التي أضمرها النبي إلا بهذا اللفظ الناقص على عادة الكهان إذا ألقى الشيطان إليهم بقدر ما يخطف قبل أن يدركه الشهاب . ويدل عليه ما ذكره الدارمي عنه . ( فقال: اخسأ ) بفتح السين وسكون الهمزة ، كلمة زجر واستهانة ، أي امكث صاغرًا أو أبعد حقيرًا واسكت مزجورًا من الخسوء وهو زجر الكلب . ( فلن تعدو ) بضم الدال ،