فهرس الكتاب

الصفحة 5525 من 6013

أقول: ولعل وجه التذكير اعتبار الموضع ، والتأنيث باعتبار البقعة . وقال العسقلاني: حراء هو بالمد وكسر أوله وهو الصحيح رواية ، وحكي فيه غير ذلك جوازًا لا رواية . وعند الأصيلي بالفتح والقصر . ( فيتحنث فيه ) أي فيتعبد في ذلك الغار فرارًا من الأغيار . وفي سيرة ابن هشام فيتحنف بالفاء ، أي يتبع الحنيفية وهي دين إبراهيم . والفاء تبدل تاء في كثير من كلامهم ذكره السيوطي . ( وهو ) أي التحنث ( التعبد ) وكأن المتعبد يتحرز عن الحنث بمعنى الإثم ويجتنب عنه بعبادته ، وهذا التفسير إما من قول عائشة رضي الله عنها أو من قول الزهري أدرجه في الحديث . والتحنث في اللغة القاء الحنث عن نفسه . وقيل لم يرد من باب التفعل في معنى إلقاء الشيء عن النفس إلا التحنث والتأثم والتحوب كذا ذكره شارح . وقال السيوطي: قوله: هو التعبد ، مدرج في الخبر قطعًا . قال العسقلاني: وهو محتمل أن يكون من كلام عروة أو من دونه . قال: وجزم الطيبي بأنه من تفسير الزهري ولم يذكر دليله . اه . وقال التوربشتي: فسرت التحنث بقولها وهو التعبد ، ويحتمل أن يكون التفسير من قول الزهري أدرجه في الحديث ، وذلك من دأبه . قال النووي: وقوله: ( الليالي ذوات العدد ) متعلق بيتحنث لا بالتعبد . ومعناه يتحنث الليالي ، ولو جعل متعلقًا بالتعبد فسد المعنى فإن التحنث لا يشترط فيه الليالي ، بل يطلق على القليل والكثير . وهذا التفسير اعترض بين كلام عائشة رضي الله عنها ، وإنما كلامها: فيتحنث فيه الليالي ذوات العدد . وإنما أطلق الليالي وأريد بها الليالي مع أيامهن على سبيل التغليب لأنها أنسب للخلوة . وقيد بذوات العدد لإرادة التقليل كما في قوله تعالى: 16 ( { دراهم معدودة } ) [ يوسف 20 ] . اه . فالمراد بذات العدد القلة . وقيل: يحتمل الكثرة إذ الكثير يحتاج للعدد لا القليل . وقيل: إبهام العدد لاختلافه بالنسبة إلى المدة التي يتخلّلها مجيئه إلى أهله ، وإلاّ فأصل الخلوة قد عرفت مدّتها وهي شهر في كل سنة ، وذلك الشهر كان رمضان . أقول: ويمكن أن تكون المدة أربعين قياسًا على ميقات موسى عليه السلام ، ولما فيها من الخواص والأسرار التي تظهر آثارها وأنوارها على الصوفية الأبرار ، مع ما فيها من مطابقة الأربعينيات في الأطوار . وقد قال: من أخلص للّه أربعين صباحًا ظهرت ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه . هذا وقال الحافظ العسقلاني: ولم يأت التصريح بصفة تعبده ، لكن في رواية عبيد بن عمير عند ابن إسحاق: فيطعم من يرد عليه من المشركين . وجاء عن بعض المشايخ أنه يتعبد بالتفكر ، ذكره السيوطي في حاشية مسلم . وفي التحرير للإمام ابن الهمام: أن المختار أنه قبل مبعثه متعبد . فقيل بشرع نوح ، وقيل إبراهيم ، وقيل موسى ، وقيل عيسى . ونفاه المالكية والآمدي . وتوقف الغزالي أي في تعبده قبل البعثة بشرع من قبله . وفي شرح التحرير قال إمام الحرمين والمازري وغيرهما: لا يظهر لهذه المسألة ثمرة في الأصول ولا في الفروع ، بل يجري مجرى التواريخ المنقولة ولا يترتب عليها حكم في الشريعة . اه . والظاهر أن المراد بالتعبد هنا التجرد للعبودية وهو الانقطاع عن الخلق بالكلية والتبتل إلى الحق بحسب ما يقتضيه

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت