فهرس الكتاب

الصفحة 5536 من 6013

الأمة حصتهم بقدر الاستعداد ، فإن أراد أن ينبئهم بما لا عهد لهم به من تلك العلوم صاغ لها أمثلة من عالم الشهادة ليعرفوا مما شاهدوه [ ما لم يشاهدوه ] . فلما سأل الصحابي عن كيفية الوحي وكان ذلك من المسائل الغويصة والعلوم الغريبة التي لا يكشف نقاب التعري عن وجهها لكل طالب ومتطلب وعالم ومتعلم ، ضرب لها في الشاهد مثلًا بالصوت المتدارك الذي يسمع ولا يفهم منه شيء ، تنبيهًا على أن إنباءها يرد على القلب في لبسة الجلال وأبهة الكبرياء ، فتأخذ هيبة الخطاب حين ورودها بمجامع القلب ويلاقي في ثقل القول ما لا علم له بالقول مع وجود ذلك . فإذا سري عنه وجد القول المنزل هنا ملقى في الروع واقعًا موقع المسموع . وهذا معنى قوله: فيفصم عني وقد وعيت . ومعنى: يفصم يقلع عني كرب الوحي ، شبهه بالحمى إذا فصمت عن المحموم . ويقال: أفصم المطر أي أقلع . وهذا الضرب من الوحي شبيه بما يوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة عن النبي قال: إذا قضى الله في السماء أمرًا ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا [ لقوله ] كأنها سلسلة على صفوان ؛ فإذا فزع عن قلوبهم قالوا ماذا قال ربكم قالوا الحق وهو العلي الكبير . هذا وقد سبق لنا من حديث عائشة أن الوحي كان يأتيه على صفتين . أولاهما أشد من من الأخرى ، وذلك لأنه كان يرد فيها من الطباع البشرية إلى الأوضاع الملكية فيوحي إليه كما يوحى إلى الملائكة على ما ذكر في حديث أبي هريرة وهو حديث حسن صحيح . والأخرى يرد فيها الملك إلى شكل البشر وشاكلته فكانت هذه أيسر . وقال الطيبي: لا يبعد أن يكون هناك صوت على الحقيقة متضمن للمعاني مدهش للنفس لعدم مناسبتها إياه ولكن القلب للمناسبة يشرب معناه فإذا سكن الصوت أفاق النفس فحينئذ يتلقى النفس من القلب ما ألقي إليه فيعي على أن العلم بكيفية ذلك من الأسرار التي لا يدركها العقل . في شرح مسلم قال القاضي عياض: إن ما جاء مثل ذلك مجرى على ظاهره ، وكيفية ذلك وصورته مما لا يعلمه إلا الله سبحانه . ومن أطلعه الله على شيء من ذلك من ملائكته ورسله وما يتأوّل هذا ويحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإِيمان إذ جاءت به الشريعة ودلائل العقول لا تحيله . ( قالت عائشة: ) قال الكرماني: يحتمل أن يكون داخلًا تحت الإِسناد المذكور سيما إذا جوزنا العطف بحذف حرف العطف وأن يكون غير داخل تحته ، بل كان ثابتًا بإسناد آخر ذكره على سبيل التعليق تأييدًا لأمر الشدة وتأكيدًا له . قال العسقلاني: هو بالإِسناد الذي قبله وإن كان بغير عطف ( ولقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد فيفصم عنه وإن ) بكسر الهمز والواو للحال أي فيفصل الوحي عنه والحال أن ( جبينه ) أي مقدم وجهه ( ليتفصد ) أي ليتصبب ( عرقًا ) تمييز محول عن الفاعل . والمعنى ليسيل عرقه مثل سيلان الدم من العرق المفصود . ( متفق عليه ) ورواه الترمذي .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت