القرآن وما هو إلا ذكر وموعظة للعالمين ، وكيف يجنن من جاء بمثله . قلت: بل المجنون من غفل عن ذكر الحق واشتغل بكلام الخلق ، ولذا قال: ( اذكروا الله حتى يقولوا مجنون ) . ثم قال الطيبي: والعرب ربما استعملوا هؤلاء في غير العقلاء وقد شهد به التنزيل . قال تعالى: 16 ( { إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } ) [ الإِسراء 36 ] . وقال الشاعر: %(
ذم المنازل بعد منزلة اللوى %
والعيش بعد أولئك الأيام )%
( ولقد بلغن ) أي هؤلاء الكلمات الجامعات المحيطات بحروف كاللآلىء المنظومات التي يعجز الغوّاص عن إخراجها وإبرازها ، لما فيها من الدلالات البينة على إعجازها من كمال إيجازها . ( قاموس البحر ) [ أي معظم بحر الكلام ] ووسطه لجة المرام . والمعنى: بلغت غاية الفصاحة ونهاية البلاغة . قال صاحب القاموس: القمس الغوص والغمس ، والقومس معظم ماء البحر كالقاموس . والقاموس البحر أو أبعد موضع فيه غورًا . ( هات ) بكسر التاء أي أعط ( يدك أبايعك ) بالجزم جواب الأمر ( على الإِسلام . قال: ) أي ابن عباس ( فبايعه ) أي النبي ( رواه مسلم ) .
( وفي بعض نسخ المصابيح: بلغنا ) أي بصيغة المتكلم مع الغير . ( ناعوس البحر ) بالنون والعين وهو تصحيف وتحريف حيث لم يذكر الناعوس في القاموس . قال التوربشتي: وفي كتاب المصابيح بلغنا وهو خطأ لا سبيل إلى تقويمه من طريق المعنى ، والرواية لم ترد به . وناعوس البحر أيضًا خطأ وكذلك رواه مسلم في كتابه وغيره من أهل الحديث . وقد وهموا فيه . والظاهر أنه سمع بعض الرواة أخطاء فيه فروي ملحونًا وهذا من الألفاظ التي لم تسمع في لغة العرب . والصواب فيه قاموس البحر ، وهو وسطه ومعظمه من القمس وهو الغوص ، والقماس والغوّاص . وقال الطيبي: قوله: بلغنا خطأ إن أراد به من حيث الرواية فلا ننكره لأنا ما وجدناها في الأصول ، وإن أراد بحسب المبنى فمعناها صحيحة ، أي قد وصلنا إلى لجة البحر ومحل اللآلىء والدر ، فيجب أن نقف عليه ونغوص فيه استخراجًا لفوائده والتقاطًا لفرائده . قلت: الشيخ نفى المعنى اللغوي الحقيقي ، إذ ليس الكلام في المعنى المجازي الذي هو بإشارات الصوفية أشبه فتدبر وتنبه . قال: وأما قوله: ناعوس البحر ، أيضًا خطأ فليس بصواب . أما رواية ، فقد قال الشيخ محيي الدين في شرح صحيح مسلم: ناعوس البحر ضبطناه بوجهين أشهرهما بالنون والعين ، وهذا هو الموجود في نسخ بلادنا . والثاني قاموس البحر بالقاف والميم ، وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير صحيح مسلم . قلت: هذا ما ينافي قول الشيخ ، فإنه لم ينكر وجود النقل والرواية ، بل يطعن فيه من حيث اللغة والدراية . قال: وقال القاضي عياض: روى بعضهم ناعوس بالنون والعين . وقال شيخنا أبو الحسين: ناعوس البحر بمعنى قاموسه . قلت: وهذا يفيد أن القاموس هو الأظهر والأكثر ، وإنما جاء الناعوس في رواية ، وهو لكونه لا يستقيم في المعنى ، حمل على أنه بمعنى القاموس