فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
فغير بعيد أن يخيل إليه من السحر . وقد قيل: إنه إنما كان يتخيل إليه ما يخيل ولكنه لم يعتقد صحته وكانت معتقداته على الصحة والسداد . أقول: ويمكن أن يعتقد صحة ما لم يتعلق بالدين ثم ينبه عليه ويبين له صحيح الاعتقاد كما قال تعالى لموسى: 16 ( { لا تخف إنك أنت الأعلى } ) [ طه 68 ] . وقيل: معنى ليخيل إليه أي يظهر له من نشاطه أنه قادر على إتيان النساء فإذا دنا منهن أخذته أخذة السحر فلم يتمكن من ذلك . قال النووي: وكل ما جاء من أنه يخيل شيئًا لم يفعله فمحمول على التخيل بالبصر لا بالعقل وليس فيه ما يطعن بالرسالة . قال المظهر: وأما ما زعموا من دخول الضرر في الشرع بأنبيائه فليس كذلك لأن السحر إنما يعمل في أبدانهم وهم بشر يجوز عليهم من العلل والأمراض ما يجوز على غيرهم ، وليس تأثير السحر في أبدانهم بأكثر من القتل وتأثير السم وعوارض الأسقام فيهم . وقد قتل زكريا وابنه وسم نبينا . وأما أمر الدين فإنهم معصومون فيما بعثهم الله عزَّ وجلَّ وأرصدهم له وهو جل ذكره حافظ لدينه وحارس لوحيه أن يلحقه فساد أو تبديل بأن لا يطول ذلك بل يزول سريعًا وكأنه ما حل . وفائدة الحلول تنبيه على أن هذا بشر مثلكم وعلى أن السحر تأثيره حق فإنه إذا أثر في أكمل الإنسان فكيف غيره . ( حتى إذا كان ذات يوم ) بالنصب ويجوز الرفع ذكره العسقلاني ، لكن الرفع لا يلائم قولها . ( عندي دعا الله ودعاه ) كرر للتأكيد أو التكثير أي وأكثر الدعاء . قال الطيبي: أي أتى عقب دعائه بدعاء واستمر عليه . ويدل على هذا التأويل الرواية الأخرى: ثم دعا ثم دعا . قال النووي: هذا دليل على استحباب الدعاء عند حصول الأمور المكروهة وحسن الالتجاء إلى الله تعالى . ( ثم قال: أشعرت ) أي أعلمت ( يا عائشة أن الله قد أفتاني ) أي بين لي ( استفتيته ) أي فيما طلبت بيان الأمر منه وكشفه عنه ثم بينه بقوله: ( جاءني رجلان ) أي ملكان على صورة رجلين ( جلس أحدهما عند رأسي والآخر عند رجلي ) وفي نسخة بالتثنية ( ثم قال أحدهما لصاحبه: ما وجع الرجل ) أي ما سبب تعبه الذي بمنزلة وجعه ( قال: مطبوب ) أي هو مسحور يقال: طب الرجل إذا سحر فكنوا بالطب عن السحر كما كنوا بالسليم على اللديغ ( قال: ) أي الآخر ( ومن طبه . قال: لبيد بن الأعصم اليهودي ) قيل أي بناته . لقوله تعالى: 16 ( { ومن شر النفاثات في العقد } ) [ الفلق 4 ] . أي النساء أو النفوس السواحر التي يعقدن عقدًا في خيوط وينفثن عليها والنفث النفخ مع ريق . قال القاضي: وتخصيصه بالتعوذ لما روي أن يهوديًا سحر النبي في إحدى عشرة عقدة في وتر دسه في بئر فمرض النبي فنزلت المعوذتان . وأخبره جبريل بموضع السحر فأرسل عليًا رضي الله عنه فجاء به فقرأهما عليه فكان كلما قرأ آية انحلت عقدة ووجد بعض الخفة ، ولا يوجب ذلك صدق الكفرة في أنه مسحور لأنهم أرادوا به أنه مجنون بواسطة السحر انتهى . والظاهر أن ذلك قضية أخرى فإنها مغايرة لما في هذا الحديث . ويمكن الجمع بينهما بوقوع نوعين من السحر له ليكون أجره مرتين ، وأن أحدهما وهو ما في الحديث وقع من لبيد والآخر من بناته والله أعلم .