عن عبد الله الذي استدل به المصنف إن علقمة قال: قلت لابن مسعود: هل صحبه أحد منكم ليلة الجن ؟ قال: لا ، ولكنا فقدناه ذات ليلة بمكة فقلنا: اغتيل استطير ما فعل فبتنا بشر ليلة ، فإذا كان وجه الصبح إذا نحن به يجيء من قبل حراء ، ثم ساق الحديث ، ولا تنافي بين قوله: ( ليلة الجن ) لأن سحرها منها وتعليل ترك العمل بحديث أبي زيد وغيره عن ابن مسعود بأن ذلك كان بمكة قبل استقرار الأحكام وتزول المائدة بسنين كثيرة أوجه من الإِقدام على رد تلك الأحاديث ( رواه مسلم ) .
قال ابن الهمام: وأما ما رُوي عن ابن مسعود أنه سئل عن ليلة الجن فقال: ما شهدها منا أحد ، فهو معارض بما في حديث ابن أبي شيبة من أنه كان معه ، وروى أيضًا أبو حفص بن شاهين عنه أنه قال: كنت مع النبي ليلة الجن ، وعنه أنه رأى قومًا من الزط فقال: هؤلاء أشبه من رأيت بالجن ليلة الجن والإثبات مقدم على النفي . وإن جمعنا فالمراد ما شهدها منا أحد غيري نفيًا لمشاركته وإبانة اختصاصه بذلك ، وقد ذكر صاحب أكمام المرجان في أحكام الجان أن ظاهر الأحاديث الواردة في وفادة الجن أنها كانت ست مرات ، وذكر منها مرة في بقيع الغرقد قد حضرها ابن مسعود مع رسول الله مرتين بمكة ، ومرة رابعة خارج المدينة حضرها الزبير بن العوّام ؛ فعلى هذا لا يقطع بالنسخ . ا ه .
وفي خزانة الأكمل قال: التوضوء بنبيذ التمر جائز من بين سائر الأشربة عند عدم الماء ، ويتيمم معه عند أبي حنيفة وبه أخذ محمد ، وفي رواية عنه يتوضأ ولا يتيمم ، [ وفي رواية يتيمم ] ولا يتوضأ وبه أخذ أبو يوسف ، وروى نوح الجامع أن أبا حنيفة رجع إلى هذا القول ، ثم قال في الخزانة قال مشايخنا: إنما اختلف أجوبته لاختلاف السائل ؛ سئل مرة إن كان الماء غالبًا قال: يتوضأ ، وسئل مرة إن كانت الحلاوة غالبة قال: يتيمم ولا يتوضأ ، وسئل مرة إذا لم يدر أيهما الغالب قال: يجمع بينهما ، فقول ابن حجر: فلا يحتج بروايته هذه على جواز الوضوء بالنبيذ ، وإن قال أبو حنيفة والثوري بجوازه في السفر عند فقدان الماء ولم يباليا بأنه خلاف ما يصرح به قوله تعالى: 16 ( { فلم تجدوا ماء فتيمموا } ) [ المائدة 6 ] من أنه عند فقد الماء لا يجوز إلا التيمم ، فتجويز النبيذ حينئذ مخالف لذلك على أنه كان ينبغي لأولئك أن يؤوّلوا هذا الحديث بتقدير صحته ليوافق الآية على أن تلك التمرة الملقاة في الماء لم تغيره تغيرًا ضارًا ، وتسمية ابن مسعود له نبيذًا من مجاز الأول ، أو المراد به الوضع اللغوي وهو ما ينبذ فيه شيء وإن لم يغيره . ا ه . إنما نشأ عن قلة اطلاع على كلامهم أصلًا وفصلًا وكأنه ادعى أنه لم يعلم معنى الآية إلا هو بفهمه الفاتر وعقله القاصر . ثم في نسبته عدم المبالاة بصريح الآية إلى الإمامين الأعظمين قلة مبالاة في الدين وكثرة جراءة على أرباب اليقين سامحه الله بما زلق قدمه