النفوس الزكية وإن غلب عليها في بعض الأحيان شيء من الحجب البشرية ، لكنها عن قريب ستزول ، وإن كل من هو أزكى كان زوال حجبه أسرع ( ففزع رسول الله ) أي من استيقاظه وقد فاتته الصبح . قال الطيبي: أي هب وانتبه كأنه من الفزع والخوف ، لأن من يتنبه لا يخلو عن فزع مّا . ( فقال: أي بلال ) والعتاب محذوف أو مقدر ، أي لم نمت حتى فاتتنا الصلاة ( فقال بلال: ) أي معتذرًا ( أخذ بنفسي الذي أخذ بنفسك ) أي كما توفاك في النوم توفاني ، نقله ميرك عن الطيبي ، وقال: وفيه ، أي تأمل أو نظر . والظاهر أن يقال: معناه غلب على نفسي ما غلب على نفسك من النوم ، أي كان نومي بطريق الإضطرار دون الإختيار ليصح الإعتذار . وليس فيه احتجاج بالقدر كما توهمه بعضهم . وفي كلام الطيبي إشارة إلى قوله تعالى: 16 ( { الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها } ) الآية [ الزمر 42 ] . ( قال: اقتادوا ) أمر من الإقتياد . يقال: قاد البعير واقتاده ، إذا جر حبله ، أي سوقوا رواحلكم من هذا الموضع . ( فاقتادوا ) ماض أي ساقوا ( رواحلهم شيئًا ) يسيرًا من الزمان أو اقتيادًا قليلًا من المكان يعني قال: اذهبوا رواحلكم . فذهبوا بها من ثمة مسافة قليلة ، ولم يقض الصلاة في ذلك المكان لأنه موضع غلب عليهم الشيطان أو لأن به شيطانًا ، كما في رواية: تحوّلوا بنا عن هذا الوادي فإن به شيطانًا . وقيل: أخر ليخرج وقت الكراهة وبه قال أبو حنيفة ، ومن جوّز قضاء الفائتة في الوقت المنهي وهم الأكثرون ، قالوا: أراد أن يتحوّل عن المكان الذي أصابتهم فيه هذه الغفلة ، وقد ورد أنه عليه السلام قال: تحوّلوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه هذه الغفلة . وفي رواية: ليأخذ كل واحد رأس راحلته فإن هذا منزل حضرنا فيه الشيطان . كذا ذكره ابن الملك ، وهو كذا في شرح السنة . ثم قال الطيبي: قال النووي: فإن قيل: كيف ذهل النبي ونام عنها مع قوله عليه السلام في جواب عائشة: يا رسول الله ( أتنام قبل أن توتر ؟ إن عيني تنامان ولا ينام قلبي ) . قلنا: فيه وجهان ، أصحهما أنه لا منافاة بينهما ، لأن القلب إنما يدرك الأمور الباطنة كاللذة والألم ونحوهما ، ولا يدرك الحسيات مثل طلوع الفجر وغيره ، وإنما يدرك ذلك بالعين والعين نائمة ، والقلب يقظان ، والثاني أنه كان له حالان ينام القلب تارة وهي نادرة ، وأخرى لا ينام فصادف بهذا الموضع حالة النوم وهو ضعيف . قال ابن حجر: وإن انتصر له الشارح بما لا يجدي . قال السيد نقلًا عن الطيبي: أقول ولعل الوجه الثاني أولى ، لما ورد أنه عليه السلام اضطجع فنام حتى نفخ ، فآذنه بلال بالصلاة فصلى ولم يتوضأ . وعللوه بقوله عليه السلام: تنام عيني ولا ينام قلبي . قلت: يريد الطيبي أنه عليه السلام في هذه القضية توضأ فدل على أن نومه تارة يكون ناقضًا وأخرى لا ، بحسب الحالين . وفيه إنه يمكن أن وضوءه كان للتجديد أو لناقض غير النوم ، ومع الإحتمال يندفع الإستدلال والله أعلم بالحال . ثم قال الطيبي: والحديث مؤوّل بأنه نسي ليسن ، يعني الحكمة في نومه عليه السلام . وذهوله بالحضرة الباطنية