فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
عليه السلام عرف أنه مرتحل وخاف من الناس أن يعظموا قبره كما فعل اليهود والنصارى . فعرض بلعنهم كيلا يعاملوا معه ذلك فقال: ( لعن الله اليهود والنصارى ) وقوله: ( اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) سبب لعنهم ، إما لأنهم كانوا يسجدون لقبور أنبيائهم تعظيمًا لهم وذلك هو الشرك الجلي ، وإما لأنهم كانوا يتخذون الصلاة لله تعالى في مدافن الأنبياء والسجود على مقابرهم والتوجه إلى قبورهم حالة الصلاة ، نظرًا منهم بذلك إلى عبادة الله والمبالغة في تعظيم الأنبياء وذلك هو الشرك الخفي ، لتضمنه ما يرجع إلى تعظيم مخلوق فيما لم يؤذن له . فنهى النبي أمته عن ذلك إما لمشابهة ذلك الفعل سنة اليهود ، أو لتضمنه الشرك الخفي كذا قاله بعض الشراح من أئمتنا . ويؤيده ما جاء في رواية: يحذر ما صنعوا . وقال القاضي: كانت اليهود والنصارى يسجدون لقبور أنبيائهم ويجعلونها قبلة ويتوجهون في الصلاة نحوها . فقد اتخذوها أوثانًا فلذلك لعنهم ومنع المسلمين عن مثل ذلك . أما من اتخذ مسجدًا في جوار صالح أو صلى في مقبرة وقصد الإستظهار بروحه أو وصول أثر مّا من أثر عبادته إليه لا للتعظيم له والتوجه نحوه ، فلا حرج عليه . ألا ترى أن مرقد إسماعيل عليه السلام في المسجد الحرام عند الحطيم . ثم أن ذلك المسجد أفضل مكان يتحرى المصلى لصلاته ، والنهي عن الصلاة في المقابر مختص بالقبور المنبوشة لما فيها من النجاسة كذا ذكره الطيبي . وذكر غيره أن صورة قبر إسماعيل عليه السلام في الحجر تحت الميزاب ، وإن في الحطيم بين الحجر الأسود وزمزم قبر سبعين نبيًا . وفيه أن صورة قبر إسماعيل عليه السلام وغيره مندرسة ، فلا يصلح الاستدلال به . وقال ابن حجر: أشار الشارح إلى استشكال الصلاة عند قبر إسماعيل بأنها تكره في المقبرة ، وأجاب بأن محلها في مقبرة منبوشة لنجاستها . وكله غفلة عن قولهم يستثنى مقابر الأنبياء فلا يكره الصلاة فيها مطلقًا لأنهم أحياء في قبورهم وعلى التنزل . فجوابه غير صحيح لتصريحهم بكراهة الصلاة في مقبرة غير الأنبياء ، وإن لم تنبش لأنه محاذ للنجاسة ومحاذاتها في الصلاة مكروهة سواء كانت فوقه أو خلفه أو تحت ما هو واقف عليه ، وفي شرح السنة اختلف في الصلاة في المقبرة ، فكرهها جماعة وإن كانت التربة طاهرة والمكان طيبًا . واحتجوا بهذا الحديث والذي بعده . وقيل: بجوازها فيها . وتأويل الحديث ، أن الغالب من حال المقبرة اختلاط تربتها بصديد الموتى ولحومها ، والنهي لنجاسة المكان . فإن كان المكان طاهرًا فلا بأس . وكذلك المزبلة والمجزرة وقارعة الطريق . وفي القارعة معنى آخر ، وهو أن اختلاف المارة يشغله عن الصلاة . قال ابن حجر: وقد صح أنه عليه الصلاة والسلام ( نهى عن الصلاة بالمقبرة ) واختلفوا في هذا النهي ، هل هو للتنزيه أو للتحريم ، ومذهبنا الأوّل ، ومذهب أحمد التحريم ، بل وعدم انعقاد الصلاة لأن النهي عنده في الأمكنة ، يفيد التحريم والبطلان كالأزمنة . ( متفق عليه ) .