فبعد بيني وبينه . والمقصود ما سيأتي ، أو السابقة فمعناه المحو والغفران لما حصل منها ، وهو مجاز لأن حقيقة المباعدة إنما هو في الزمان والمكان ، وموقع التشبيه: إن التقاء المشرق والمغرب مستحيل . فكأنه أراد أن لا يبقى لها منه اقتراب بالكلية ، وكرر لفظ بين هنا ، ولم يكرر بين المشرق والمغرب لأن العطف على الضمير المجرور يعاد فيه الجار كذا قاله ميرك . ( اللهم نقني ) أي طهرني ( من الخطايا ) أي التي تدنس القلوب وتسوّدها . ( كما ينقى ) بصيغة المجهول ( الثوب الأبيض من الدنس ) أي الدرن والوسخ ، وفي تقييد الثوب بالأبيض مبالغة لا تخفى . ( اللهم اغسل خطاياي بالماء والثلج ) بالسكون ( والبرد ) بفتحتين ، قال التوربشتي: ذكر أنواع المطهرات المنزلة من السماء التي لا يمكن حصول الطهارة الكاملة إلا بأحدها ، تبيانًا لأنواع المغفرة التي لا مخلص من الذنوب ، إلا بها . أي طهرني من الخطايا بأنواع مغفرتك التي هي في تمحيص الذنوب بمثابة هذه الأنواع الثلاثة في إزالة الأرجاس والأوزار ورفع الجنابة والإحداث . قيل: خص الثلج والبرد بالذكر لأنهما ماءان مقطوران على خلقتهما لم يستعملا ولم تنلهما الأيدي ولم تخضهما الأرجل كسائر المياه التي خالطت التراب ، وجرت في الأنهار وجمعت في الحياض . فهما أحق بكمال الطهارة . فإن قلت: الغسل البالغ إنما يكون بالماء الحار ، فلم ذكر ذلك . قلت: قال محيي السنة: معناه طهرني من الذنوب وذكرها مبالغة في التطهير ، لا أنه يحتاج إليها . قال الخطابي: هذه أمثال ولم يرد أعيان هذه المسميات ، وإنما أراد بها التأكيد في التطهير والمبالغة في محوها عنه . قال ابن دقيق العيد: عبر بها عن غاية المحو ، فإن الثوب الذي يتكرر عليه ثلاثة أشياء منقية يكون في غاية النقاء . ويحتمل أن يكون المراد أن كل واحد من هذه الأشياء مجاز عن صفة المحو بها كقوله تعالى: [ أي ] { واعف عنا واغفر لنا وارحمنا } [ / أي ] . قال الطيبي: المطلوب من ذكر الثلح والبرد بعد ذكر الماء لطلب شمول الرحمة وأنواع المغفرة بعد العفو لإطفاء حرارة عذاب النار ، التي هي في غاية الحرارة من قولهم: برد الله مضجعه أي رحمه ووقاه عذاب النار . وقال ميرك: وأقول الأقرب أن يقال: جعل الخطايا بمنزلة نار جهنم فعبر عن إطفاء حرارتها بالغسل تأكيدًا ، ويحتمل أن يكون في الدعوات الثلاث إشارة إلى الأزمنة الثلاثة ، فالمباعدة للمستقبل ، والغسل للماضي ، والتنقية للحال . وكأن تقديم المستقبل للإهتمام يدفع ما سيأتي قبل دفع ما حصل والله أعلم . ا ه . ويمكن أن تكون المباعدة فيما لم يقع مطلقًا ، والتنقية في الحال ، والإستقبال والغسل فيما وقع مطلقًا ، وتعدد آلة الغسل إشارة إلى أنواع المغفرة المتعلقة بالذنوب ومراتبها والله أعلم . وهذا كله تعليم للأمة ، أو دعاء لهم ، أو باعتبار حسنات الأبرار سيئات المقربين وهو الأظهر . ( متفق عليه ) . قال ميرك: ورواه أبو داود والترمذي والنسائي .