وهذا يجريه بعض العلماء على قاعدة النهي يقتضي الفساد أو يقتضي البطلان؟ ويجعلون ذلك كحال الإنسان الذي يصلي في الأرض المغصوبة أو يصلي بثوب مسروق أو مغصوب فيستر عورته بذلك، وهذه مسألة أخرى، مما يدل على أن الأمر في مسألة الوضوء هو أمر خارج، فالإسبال لا شأن له بمسألة الوضوء، فلو توضأ الإنسان وعليه ثوب مسروق أو مغصوب فلا علاقة له في ورود الحكم عليه؛ لأن الوضوء منفصل ومنفك عن أمر اللباس بخلاف أمر الصلاة، فإذا جاء نقض الوضوء بمسألة الإسبال فينبغي أن يشدد في ذلك أكثر من أمر الصلاة. كذلك فإن المكروهات والمنهيات في الصلاة كثيرة بخلاف الوضوء فهي قليلة، ولو جاءت لضبطت؛ وذلك لقلتها بخلاف الصلاة، فإن المنهيات في ذلك أوفر، فربما لو جاء منهي في ذلك أن ينسى مع وفرة هذه المرويات، وهذا ليس تمريرًا لقبول هذا الحديث، وإنما هو بيان سبب تقديم علة الحديث بالوضوء من الإسبال لا على إبطال الصلاة من الإسبال. وإبطال الصلاة بالإسبال هو من منكرات الحديث، ولا يخلو إنسان من شيء من الإسبال ولو على سبيل الغفلة عرضًا، فلما لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام إلا مثل هذا الوجه دل على نكارته وعدم ثبوته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. ومن وجوه النكارة في هذا الحديث: أن الصحابة عليهم رضوان الله تعالى لم يعملوا به لا في نقض الوضوء ولا في إبطال الصلاة، وهذا من أظهر إعلال المتن، أن الحديث إذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من وجه من الوجوه ولم يعمل به أحد من الصحابة فهذا من علامات نكران الحديث. وقد تقدم معنا مرارًا أن الحديث إذا جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وكلما كان أظهر تعلقًا بعبادات الأفراد وزاد فيهم ولم يعمل به أحد من الصحابة، فهذا إعلال قوي، وإذا جاء الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس حكمه للعامة وإنما للخاصة أو يبتلى به الخاصة ولم يعمل به الصحابة، فإن هذا دون ذلك مرتبة.