موضع التوطين عند الفقهاء في عمل السلف وقد جاء فيه قولان: من السلف من قال بالكراهة، ومن السلف من قال بالجواز، فمن قال بالكراهة هل يقال: إن قوله ذلك يعضد الأحاديث المروية في هذا, أم أن المراد بذلك أن يتخذ الإنسان موضعًا يمنع غيره؟ النبي صلى الله عليه وسلم حينما نهى في الأحاديث السابقة إن صحت عن اتخاذ موضع في المسجد، الاتخاذ هنا هل هو لأجل مزاحمة الناس أم لأجل هذا الموضع أن يميز عن غيره؟ نقول في هذه المسألة في أقوال السلف الصالح عليهم رحمة الله في الكراهة أو الجواز, من العلماء من حمل الأحاديث التي جاءت في مسألة الجواز على وجهها، ومنهم من حملها في حال القول بالكراهة على وجوه أخرى؛ لهذا قد يقال: إن من تكلم في هذه الأحاديث أو هذه المعاني من الأئمة كالإمام أحمد رحمه الله أو كالحافظ ابن رجب رحمه الله، في هذه المسألة قالوا: إن أفعال السلف عليهم رحمة الله لا تعني تعليلًا للأحاديث لا حديث التبشبش ولا حديث عبد الرحمن بن شبل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا حديث عبد الحميد بن سلمة، وإنما هي أقوال فقهية جاءت تحتمل في هذا الحديث وتحتمل في غيره. ولهذا نقول: إن ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم من الحث على توطين موضع أو كراهة موضع في المسجد على سبيل التوطين أن الأحاديث معلولة، ومن استدل بحديث التبشبش في إعلال حديث عبد الرحمن بن شبل وحديث عبد الحميد فيه نظر، ومن اتخذ حديث عبد الرحمن بن شبل لإعلال حديث أبي هريرة في التبشبش فيه كذلك نظر باعتبار اختلاف المقصد؛ ولهذا يأتي في بعض السياقات في بعض الحديث مدح العمل لا مدح اتخاذ الموضع كما في حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى في مسألة التبشبش، وهذا أيضًا من الأحاديث التي تتعلق في مسائل الاعتقاد التي يتكلم عليه العلماء في هذا الباب.