ثم أيضًا إن هذا الحديث من أورده شاهدًا لحديث عبد الرحمن بن شبل ولحديث عبد الحميد بن سلمة أنه لا يشهد له وفي ذلك نظر، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم قال فيه: (من توطن موضعًا للصلاة والذكر) ، والمراد في هذا: أن الإنسان يعتاد المسجد لأداء الصلاة والإكثار من الإتيان إليه، وليس المراد بذلك هي بقعة من المسجد؛ ولهذا جاء في هذا الحديث الذكر والصلاة، وأنما الحديث حينما جاء في النهي السابق في الصلاة قال: (نهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ثلاثة في الصلاة) ، جاء الحديث هنا عام مما يدل على أن المراد بذلك العبادة، قال: (توطن للذكر أو الصلاة) ، يعني: أن المراد بذلك على سبيل العموم أن الإنسان ينشغل بأمر سواء انشغل بالصلاة، أو انشغل بالدعاء، فالمراد بذلك هو العبادة لله سبحانه وتعالى وهو نوع من أنواع الاعتكاف مما يدل على أن الحديث السابق معناه يختلف، وفي مسألة النهي عن التوطن: جاء فيها أحاديث موقوفة على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وجاء فيها أحاديث مرفوعة، جاء في حديث سلمة بن الأكوع عن النبي صلى الله عليه وسلم في الصحيحين أنه كان يقصد الصلاة إلى موضع في مسجده عليه الصلاة والسلام، وجاء في بعض الألفاظ إلى سارية، وجاء في بعض الألفاظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم الاسطوانة مما يدل على ضعف الأحاديث الواردة في هذا الباب في حديث عبد الرحمن بن شبل وغيرها. أما حديث أبي هريرة عليه رضوان الله تعالى في قوله: (من توطن موضعًا في المسجد تبشبش الله عز وجل له كما يتبشبش أهل الغائب إذا قدم غائبهم) ، في هذا الحديث جاء اللفظ فيه عامًا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وليس فيه موضع توطين.