لو نظر الإنسان إلى مالك بن أنس يروي عن صفوان بن سليم وهو مدني زهري أيضا وقريشي ويروي عن سعيد بن سلمة وهو مديني أيضًا، و المغيرة بن أبي بردة وهو مديني أيضًا من أهل المدينة يروي عن أبي هريرة أهل بلد واحد ويعرفون بعضًا، إذا أراد الإنسان أن يطبق عليهم من أمثال هذه المسائل هذه القواعد يقوم بإعلال كثير من الأحاديث ولا يفرق هؤلاء كانوا في الشام أو في اليمن أو في الشرق أو في الغرب خراسان وغيرها هم على سواء ليسوا على السواء. ولهذا لا يوجد أحد من النقاد تعرض لهذا الحديث هيبة له وهيبة لمالك، ولهذا الإمام مالك رحمه الله لما روى حديث الهرة وفي إسناده مجاهيل ماذا قال البخاري؟ قال: جود مالك إسناده، يعني: الإمام مالك يعرف الحبال القوية في المدينة، ويعرف من أين يؤتى الخبر. ولهذا الأحاديث التي تتسلسل بالمدنيين ينبغي أن يكون لها هيبة، لأن رقة الديانة ما كانت في تلك الطبقة قبل مالك، صحيح أن الفقه قليل في عموم الناس ولكن يوجد أعيان هم حملة هذا الحديث وهم النقلة، وهم يعرفون أعيان العلم ويعرفون الطبقة كما تعرف أنت الأجداد وتعرف الأعمام، وتعرف الجيران، وأنسابهم ونحو ذلك فتدرك هذا وتعلم هذا. والإمام مالك رحمه الله إذا روى عن أحد أو روى عن أحد يروي عن أحد فهؤلاء ينبغي أن يحسن الظن بهم إذا كانوا مدنيين لأن مالكًا موغل بمعرفة المدنيين فلم يخرج من المدينة وليس له شيخ إلا نزر يسير جدًا في خروجه إلى مكة، ولهذا بعض العلماء يقول: إن الإمام مالك ليس له من الشيوخ غير المدينة على الإطلاق.