فللعلماء نفس في أبواب المرفوع يختلف عن الموقوف، فإنهم يشددون في الموقوفات ولا يشددون في المرفوعات، ويشددون في المرفوعات ولا يشددون في الموقوفات، كذلك عند تباين الباب فإنهم حينما يتكلمون على أحاديث في أبواب السير والمغازي والتفسير والتاريخ والفتن والملاحم وأشراط الساعة وغيرها، فإنهم لا يشددون فيها كتشديدهم في أبواب الأحكام، وإنما يشددون في أبواب الأحكام لارتباطها بأمور العبادة, وأن الدخيل فيها ابتداع، بخلاف ما يتعلق بأمور الأخبار؛ فإن الدخيل فيها يكون من الأخبار التي لا تلزم الإنسان عملًا، فإذا جاء حديث ضعيف أنه يقع في الزمن الفلاني أو في البلدة الفلانية خسف أو يخرج رجل ونحو ذلك، فالإنسان في ذلك لا يستطيع أن يعمل تجاه ذلك شيئًا. إذًا: لا يستطيع أن يتعبد بهذا الحديث، فيقل عناية العلماء من جهة التشديد فيه، ومن جهة الرواية. ولهذا نجد الأئمة الكبار الحفاظ ينقلون أحاديث الأحكام ويكثرون من روايتها ويقللون الرواية فيما يتعلق في غيرها من الأبواب، ولهذا تجد الإمام مالك وشعبة وعبد الرحمن بن مهدي ووكيع بن الجراح وغيرهم في أحاديث الأحكام إذا دخلت أبواب التفسير والسير والمغازي نجد أنهم يقلون حتى يتلاشوا في كثير من الأبواب، لأن هذه الحياض لا يراد منها التعبد فأرادوا صيانة الدين، فوجدوا أن حياض الأحكام الحلال والحرام قل الناس فيها فاستنفروا إليها وذادوا عنها حفظًا لها وصيانة، وأما غيرهم ممن هو دونهم لما وجدوا أن هؤلاء الأئمة الكبار زاحموهم ولم يجدوا لهم موضعًا في أمثال هذه الأحاديث؛ انصرفوا إلى ما دونها من أحاديث التفسير والسير والمغازي والفتن والملاحم، فوقع في هؤلاء الضعف والجهالة والتساهل في ذلك، في السماع من جهة إثباته أو عدمه حتى لا يعرف السماع في كثير من الأسانيد.