والصواب في ذلك الإرسال، والموصول لا يصح، أعل الحديث الموصول البيهقي رحمه الله، فقد قال في المرسل: هو المحفوظ، ومراسيل محمد بن سيرين وإن كان ممن يحترز بالنقل ولا يروي إلا عن ثقة في غالب أمره، إلا أنه ليس من طبقة متقدمة من التابعين، ولهذا يستأنس بمراسيله إلا أنه لا يقطع بصحتها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، والعلماء يفرقون بين الاستئناس والاحتجاج والصحة، فمسألة الاحتجاج أمرها واسع، وأما بالنسبة للتصحيح فإن العلماء لا يصححون الحديث بمثل مراسيل محمد بن سيرين. ثم أيضًا: إن من مواضع رجحان المراسيل هو رواية ابن أبي شيبة في مصنفه لها، وكذلك عبد الرزاق في مصنفيهما لها، وذلك لتقدم الطبقة، فطبقة ابن أبي شيبة وكذلك طبقة عبد الرزاق طبقتان متقدمتان، كذلك فإنهم غالبًا ما يروون الأحاديث في كتاب، فإنهم أقرب إلى الرجحان من غيرهم، والحديث إذا جاء موصولًا عند متأخر وهو مرسل عند متقدم، فالمتأخر في تفرده بالوصل من مواضع ومن قرائن الإعلال، فإنه تفرد بوصله الحاكم في كتابه المستدرك، وعنه البيهقي. ومما يتفرد به الحاكم في كتابه المستدرك بوصل المراسيل مما لا يلتفت إليه العلماء غالبًا، كذلك فإن العلماء لا يلتفتون إلى مفاريد الحاكم في كتابه المستدرك مما يتفرد به من الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام، فكيف وقد خولف في ذلك! وذلك لأن الحاكم من طبقة متأخرة، وهو بعد زمن التدوين الأول، ومعلوم أن التدوين في زمن المصنفين من الأئمة الستة ومن ذلك البخاري و مسلم و أبي داود و الترمذي و النسائي و ابن ماجه والإمام أحمد و الدارمي وأضراب هؤلاء، الحاكم بعد أولئك، وهو في مرحلة وزمن تدوين متأخر، فإذا جاوزت أولئك الأئمة تلك الأسانيد ولم يرووا إلا وجهًا واحدًا، دل على أنهم تركوا ذلك التدوين باقيًا في الأفواه فيحمله من بعدهم ولم يدونوه، وذلك لعلته.