فهرس الكتاب

الصفحة 320 من 853

وكثير من المخرجين والمعتنين بالحديث من المتأخرين والمعاصرين ينظرون الروايات على أنها من طبقة واحدة، فيستدركون على بعض الروايات المرسلة التي يعلها العلماء بالإرسال بطرق وقفوا عليها موصولة وجدوها عند متأخرين، ويظنون أن العلماء لم يقفوا عليها، نقول: إن العلماء في تركهم للأحاديث وفير، ولهذا البخاري رحمه الله يقول عن نفسه: إني أحفظ مائة ألف حديث، ومراده بذلك الأحاديث ما كان مرسلًا وما كان موصولًا، ولا يدخل في ذلك الموقوفات، ولو أحصينا ما دون عند المتأخرين وما دون عند المتقدمين لجاء قريبًا من هذا العدد، فالبخاري رحمه الله قد انتقى شيئًا وأعل شيئًا وسكت عن أشياء وترك أشياء لمن جاء بعده، فما تركه عنده لا يرى أن له قيمة، فهذا أين ترك؟ ترك في الأذهان ينقله الناس، فلما جاء من بعدهم ونفوسهم تتشوف إلى التدوين دونوا ما فات المتقدم، فجاء من بعدهم فنظروا إلى زوائد المتأخرين على المتقدمين فقاموا بتصحيحها، وهذا كثير جدًا. ولهذا نقول: إنه ينبغي لطالب العلم إذا أراد أن يخرج أو يتكلم على حديث من الأحاديث أن يفرق بين الدواوين، بين زمن الرواية والتدوين الأول، وبين ما جاء بعد ذلك، وكلما تأخرت طبقة المدون ظهر في ذلك الإعلال، ولهذا نجد أنه من قريب الاتفاق عند العلماء النقاد أنهم لا يلتفتون إلى مفاريد المتأخرين التي يخرجونها، وذلك مثلًا: كالحاكم، وابن عساكر، والخطيب البغدادي وغيرهم من الرواة، وسواءً الحاكم كان في التاريخ أو كان في كتابه المستدرك وغيرها من مصنفاته، وكتب ابن عساكر كلها، كذلك أيضًا ما كان من الأجزاء المتأخرة، فالعلماء في الغالب لا يلتفتون إليها، نعم ربما يتفرد أولئك بآثار، فالعلماء يقبلونها باعتبار أن الأحاديث المرفوعة هي مقصد العلماء الأول، وأما بالنسبة للآثار فيدعونها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت