والأحاديث في هذا التي فيها بون ليست بالقليلة في هذا الباب، وهذا من أسرار النكارة عند النقاد أنهم يعلون حديثًا من الأحاديث بشدة في موضع من المواضع، ولا يظهر للمتأخر سبب هذه النكارة، والسبب في ذلك هو التباين بين الطبقتين: بين طبقة الشيخ، وبين طبقة التلميذ؛ لأنه هناك من هو أولى منه ينبغي أن يروي هذا الحديث فلما لم يروه دل على نكارته، أنه رواه فوهم فيه وغلط، وهذا أيضًا له قرائن تدفعه إذا وجد الحديث عند أحد الرواة عن هذا الإمام، فهذا قرينة على أن الراوي الضعيف رواه على غير وجهه. ولهذا نقول: إذا تفرد راو من الرواة المحسوبين على الصدق عن إمام جليل، ومثله ترد روايته، الواجب على الناقد أن يلتمس في أحاديث أصحاب ذلك الشيخ حديثًا يشابهه فوقع فيه شيء من الغلط، حينئذ ينظر في تقارب الألفاظ وتقارب المعاني ما يتعلق بهذا الباب أين موضع الوهم والغلط، وربما يكون التشابه في بعض الأحاديث يسير جدًا، وربما أيضًا يكون في باب وينقله في باب آخر، فيرد في ذلك الوهم، وبمقدار حفظ الناقد ومعرفته أيضًا بحال الرواة ومواضع وهمهم، وكذلك أيضًا شدة وهمهم أو ضعفه، فإنه حينئذ يستطيع أن يميز أن هذا الحديث هو أصل الحديث الذي غلط فيه فلان، والصواب أنه رواه فلان على هذا الوجه، وهذا النظر يتباين فيه الناس، والناس لهم نظر في ذلك. ولهذا نقول: إن نقد الأحاديث عند العلماء عليهم رحمة الله لا يتوقف على ذات الحديث المسطور بين عينيه، وإنما ينظر في أحاديث الباب مفاريد الرواة والتلاميذ الذين يروون عن شيوخهم، وكذلك أيضًا مرتبة التباين بين تلك الطبقات أيضًا هي من مواضع الإعلال الذي ينبغي لطالب العلم أن يكون على بينة ونظر في ذلك.