ولهذا نقول: إننا إذا أردنا أن ننظر إلى الغرابة والتفرد وما يدفع العلة في هذا أن ننظر إلى الراوي، فإذا كان هذا الراوي مكثرًا بالأخذ ومكثرًا بالمجالس والرواية والسماع والناس يقصدونه فلا يقال بأن القريب منه يتفرد عنه وحينئذ يدفع التفرد في الغرابة، وهذا له نظائر كثيرة من الرواة الذين يتفرد عنهم، وإذا كان الراوي يقصد ولكن القرابة في ذلك تتقدم أو لها حظوة أو كان لمعنى قائم في الراوي كأن يكون الراوي امرأة وذلك كعائشة عليها رضوان الله و أم سلمة وغيرها، فإذا روى عن عائشة مولاها أو روت عنها امرأة من نسائها فيحمل ذلك ويدفع الغرابة، أو روى عن أم سلمة من مواليها أو من نسائها من المستورات فهذا يحتمل؛ لأن المرأة عادةً لا تبرز إلى مجالس الرجال ولا تحدثهم فيقصدونها في مجالسها فضعف هذا الجانب فحينئذ من كان مستترًا مستور الحال له أن يتفرد ببعض المعاني، وهذا تقدم معنا الإشارة إليه في كتاب الطهارة في حديث أبي قتادة في حديث الهرة، فإن حميدة تروي عن كبشة، والقرابة بين حميدة و كبشة أنها زوجة ابنه، فابن أبي قتادة متزوج كبشة، و حميدة تروي عن خالتها كبشة، و حميدة مستورة، و كبشة مستورة تروي عن خالها أبي زوجها عن النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا يدفع مع أن المعنى ثقيل، ولو نظرت إلى كتب الرجال متجردًا عن القرائن لضعفت الحديث كحال كثير من الظاهريين في النقد، فينظر إلى حميدة ويقول: إنها مستورة، وينظر إلى كبشة ويقول: مستورة مجهولة، حينئذ يقول بضعف الحديث إذا كان لا ينظر إلى جانب القرائن.