والخدمة والتوقير في المجالس: وهذا معنى المن؛ وكيف يعيره، ويخشن الكلام، ويقطب الوجه، ويهتك السر بالاظهار وفنون الاستخفاف: وهذا معنى الأذى. وهذا المن والأذى - وان كانا أمرين باطنيين - الا أن لهما علامة ظاهرة، وهو أن الفقير لو جنى عليه بعد التصدق، ويفرض هذه الجناية قبله، ثم ينظر: هل كان استنكاره على ما فعله بعد التصدق زائدًا على استنكاره على ما فعله قبل التصدق، فإن كان زائدًا ففي باطنه المن، ثم الأذى يلازمه عادة، ولا أقل من الجواز فيمن جاز منه المن.
وأما علاج هاتين الرذيلتين: أما باطنًا فملاحظة الأمور المذكورة؛ وأما ظاهرًا فالتذلل للفقير والمنة له بأن يقبل صدقته، حتى كان بعضهم يضع الصدقة بين يدي الفقير ويمثل قائمًا ويسأله قبولها؛ وكان بعضهم يبسط يده لياخذ الفقير منه لتكون يد الفقير هي العليا. وكانوا لا يتوقعون منه الدعاء لأنه شبه المكافأة، وكانوا يقابلون الدعاء بمثله، فالمذكور أولًا هو العلم، وثانيًا هو العمل، والقلب ينصبغ بالأعمال الحسنة، ولا يعالج القلب الا بمعجون العلم والعمل.
(الوظيفة السادسة) أن يستصغر العطية والا داخل العجب، وهو من المهلكات ويحبط الأعمال. وهو غير المن والأذى، اذ في بناء المساجد والربط العجب دونهما. والدواء للاستعظام والعجب: أما العلم: فأنه يستحي من حيث أنه بذل من الكثير بالقليل، وقنع بأخس درجات البذل؛ وأيضًا المال لله وله المنة اذا أعطاه اياه ووفقه لبذله، وأيضًا أنه يرجو في الآخرة الثواب وهو عوضه اضعاف ما أعطاه، فكيف يستعظم بما ينتظر ثوابه؛ وأما العمل: فهو أن يستحي من أن لم يبذل كله لله - وهو الأحب عنده - والمال كله لله، وهو استعمل البخل وترك ما أحبه صاحب المال.
(الوظيفة السابعة) أن ينتقى من ماله أجوده وأحبه اليه وأطيبه وأحله، و يستحي من أن يؤثر نفسه وأهله وعبيده على الله تعالى والمال له تعالى، وأيضًا أنه يبقى أطيبه لمن يرثه من بعده، ولا يقدم ذلك لنفسه؛ وليس له من ماله إلا ما أكل فأفناه، وما لبس فأبلاه، وما تصدق فأبقاه.