فهرس الكتاب
الظنون، فإذا كشف عنهم الغطاء يفتضحون، بل تندلق أقتابهم في النار فيدور بها أحدهم كما يدور الحمار بالرحى - كما ورد به الخبر.
و إنما سبب غرورهم مصادفتهم في قلوبكم شيئًا ضعيفًا من أصول هذه المعاني؛ من حب اللّه والخوف منه والرضا بفعله، فظنوا أنهم اتصفوا بها، فهيهات هيهات، ولا يخلو عن القدر أحد من المؤمنين الصالحين وإنما الكمال أمر آخر يعرفه أهله.
وصنف منهم عدلوا عن المنهاج الواجب إلى الشطح والطامات وتلفيق كلمات مخالفة للشرع للأغراب. وصنف آخر منهم شغفوا بتسجيع الألفاظ وذكر الفراق والوصال، ليكثر في مجلسهم التواجد والزعقات، فهؤلاء شياطين الأنس ضلوا وأضلوا عن سواء السبيل، فيزيد كلامهم جرأة على المعاصي ورغبة في الدنيا، لا سيما إذا تزين بالثياب والخيول. وصنف منهم حفظوا كلام الزهاد في ذم الدنيا، ويؤدونها في المساجد والمنابر، ويظنون أنهم قد أفلحوا بهذا وصاروا آمنين من عقاب اللّه من غير أن يحفظ ظاهره وباطنه عن الآثام.
وصنف منهم استغرقوا أوقاتهم في علم الحديث وطلب الأسانيد الغريبة العالية، ولهم غرور من وجوه:
أحدها: أنهم حملة الأسفار يظنون ان ذلك يكفيهم.
وثانيها: إذا لم يفهموها لم يعطوا بها.
وثالثها: أنهم يتركون ما هو فرض عين وهو معالجة القلب.
ورابعها: انهم لا يراعون شروط السماع أيضًا: وهي السماع، ثم التفهم، ثم الحفظ، ثم العمل، ثم النشر والبيان. وهم يقتصرون على السماع، ويقصرون في السماع أيضًا، إذ ربما يحضر الصبي والشيخ، والصبي يلعب والشيخ ينام، والبالغ الحاضر ربما يغفل ولا يصغي، ثم يكتب الشيخ اسم الكل في الإجازة، ويتصدى كل منهم لرواية كل ما قاله الشيخ ولم يسمع بعضه، إلا أن للمحدثين في ذلك جاهًا فخاف المساكين ان اشترطوا ذلك أن يقل جمعهم.