فهرس الكتاب

الصفحة 22 من 1503

المقيم الموعود للمتقين. على أنك أن لم تترك المال فهو يتركك قطعًا، كما قيل:

تناضله الآفات من كل جانب

فتخطئه طورًا وطورًا تصيبه

وعليك أن تعرف أن الدنيا جمة المصائب، وكدرة المشارب. تورث للبرية أنواع البلية مع كل لقمة غصة. فإِن تأملت لماض فذلك لا يلم ما شعث، ولا يرم ما انتكث وان كان لحاضر فذلك بقضاء الله وقدره، ومع ذلك فمنقض. وإن كان لمستقبل، فإن كان مما يحتمل وقوعه فذلك حمق، إذ الحزن الحاضر لأمر محتمل الوقوع خارج عن طور العقل، وإن كان محقق الوقوع كالموت فستعرف حاله. قال تعالى: (لكيْلا تأسوْا على ما فاتكم ولا تَفرحوا بما آتاكم) .

قيل: هذه الآية جامعة لأصول الزهد بتمامها.

(وأما الثالث) : فعليه أن يطلب علمًا يكشف حاله بعد الموت، كما قال حارثة للنبي، صلى الله عليه وسلم: (كأني أنظر إلى عرش ربى بارزًا. وكأني أنظر إلى أهل الجنة يتزاورون فيها، وإلى أهل النار يتعاوون فيها) .

وهذا العلم انما يحصل بمعرفة حقيقة النفس، وكيفية علاقتها بالبدن، ووجه خاصيته التي خلق البدن لها، ووجه التذاذه بخاصيته وكماله، مع معرفة الرذائل المانعة له من كماله. وقد نبه الشرع عليه في مواضع كثيرة، وأمر بالتفكر في النفس، كما أمر بالتفكر في ملكوت السموات والأرض.

(وأما الرابع) : فلا ينفع الغم فيه، بل المداواة المبادرة بالتوبة، وإصلاح ما فرط من أمره كمن انفجر عرقه وهو يغتم له ولا يعصبه. وأيضًا الفائت لا يتدارك

فليشتغل بالمستقبل.

وأما حال الإنسان عند الموت، فثلاثة:

الأول - ذو بصيرة.

يعلم أن الحياة رق، والموت عتق، وأن الدنيا كخطفة برق، وإن طال مكثه فيها. فهذا لا يغتم لموته إلا لما يفوت من خدمة ربه، والازدياد من قربه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت