فهرس الكتاب

الصفحة 28 من 1503

بالنهار في صناعته. وإذا كان بالليل وتعشى، جلس يستعمل الشراب. فإِذا دب فيه الشراب يغني و يقول:

أضاعوني وأي فتى أضاعوا ... ليوم كريهة وسداد ثغر

ولا يزال يشرب، و يردد هذا البيت حتى يأخذه النوم، والإمام أبو حنيفة يسمعه كل ليلة. وكان الإمام أبو حنيفة يصلي الليل كله. ثم أنه فقد صوت جاره ليالي فسأل عنه، فقيل له: قبضه أصحاب العسس منذ ليال. فلما صلى الإمام أبو حنيفة رحمه الله صلاة الفجر من غده ركب بغلته وأتى دار الأمير، فاستأذن عليه فقال: ائذنوا له وأقبلوا به إليَّ راكبًا ولا تدعوه ينزل حتى يطأ البساط. ففعل به ذلك، فتلقاه الأمير وأجلسه في مجلسه، وقال: هل من حاجة؟ فقال: نعم. جئت لأشفع

في جاري، فقال الأمير: أطلقوه وأطلقوا كل من أخذ في تلك الليلة، فأطلقوهم. ثم ركب الإمام أبو حنيفة بغلته وخرج الإسكافي يمشي وراءه، فقال له الإِمام أبو حنيفة رحمه الله: هل أضعناك؟ فقال: بل حفظت ورعيت، فجزاك الله خيرًا عن حرمة الجوار. ثم تاب إلى الله تعالى ولم يعد إلى ما كان يفعل. قيل: أنه صار بعد ذلك من أصحاب أبي حنيفة رحمه الله في الفقه.

وإذا عرفت هذه الكنايات والروايات، وكيف كان توقير العلماء في الزمان الأول، فأنصف من نفسك يا أخي. هل بقي من توقير العلم والعلماء شيء أصلًا؟

فإن اعترضت، وقلت: لم يبق مثل هؤلاء الأعلام في هذه الأيام، فلا يليق بهم التوقير، فنقول: أما قولك، لم يبق مثل هؤلاء العلماء، فمسلم، وأما قولك لا يليق بهم التوقير، فما يحق عليه الكير، لأن التوقير لأجل العلم، فلا تقصر أنت في حقهم أن كنت تحب العلم، وعدم كونهم أمثال هؤلاء، ليس عليك، بل العهدة في ذلك عليهم. وبالجملة: حب العلم يوجب توقير كل من انتسب إليه، وإلا فلست من المحبين له.

ومن تعظيم العلم: تعظيم الكتاب، حتى لا يأخذه إلا بالطهارة، ولا يمد

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت