فهرس الكتاب
في الفيافي ونحو الأنهار، محبًا لاستماع الألحان، والاجتماع بأهل الرياضات وأصحاب الجدل، منصفًا من نفسه إذا خصم، ويعترف بموضع الاصابة والخطأ، معتدلًا في الملابس والمآكل والمشارب والمناكح، بيده آلة النجوم والساعات. و (مات) وله ثمان وستون سنة.
ثم أنه تخلى عن خدمة الملوك وبنى موضع التعليم، وأقبل على العناية بمصالح الناس، ورفد الفضلاء، وتزويج الأيامى، وارشاد الملتمسين للعلم والأدب. وكان جليل القدر في الناس 0 وكانت له من الملوك كرامات عظيمة ومنزلة رفيعة. وكان كثير التلاميذ من الملوك وأبنائهم وغيرهم. وكان أهل مدينة أسطا إذا أشكل عليهم أمر يجتمعون الى قبره حتى يفتح لهم، و يزعمون أن قبره يصحح فكرهم و يزكي عقولهم. واستيفاء أخباره لا يمكن إلا في مجلد.
ومن جملة أساتذة الحكمة: الفارابي:
وهو أبو نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي التركي الحكيم المشهور، صاحب التصانيف في المنطق والحكمة وغيرها من العلوم. وهو أكبر فلاسفة الإسلاميين، لم يكن فيهم من بلغ رتبته في فنونه. وتخرج ابن سينا بكتبه، وبعلومه انتفع في تصانيفه. وكان رجلًا تركيًا، تنقلت به الأسفار الى أن وصل بغداد. وهو يعرف كثيرًا من اللغات غير العربي، ثم تعلمه وأتقنه. ثم اشتغل بالحكمة، فقرأ على أبي بشر متى بن يونس الحكيم، من (شرح كتاب أرسطو في المنطق) سبعين سفرًا وكان هو شيخًا كبيرًا له صيت عظيم يجتمعون في حلقته كل يوم المئون من المنطقيين. ثم أخذ طرفًا من المنطق من أبي حنا بن خيلان الحكيم النصراني بمدينة حران ثم قفل الى بغداد وقرأ بها علوم الفلسفة وتمهر في كتب أرسطو جميعها. يقال: وجد كتاب (النفس) لأرسطو، وعليه مكتوب بخط الفارابي: إنى قرأت هذا الكتاب مائتي مرة. و يقال: قرأ (السماع الطبيعي) لأرسطو أربعين مرة، ومع ذلك يقول: إني محتاج الى معاودته. وكان يقول: لو أدركت أرسطو لكنت أكبر تلامذته. ثم سافر الى دمشق، ثم الى مصر، ثم عاد الى دمشق، فأحسن اليه سلطانها سيف الدولة بن حمدان، وأجرى