هذا الذي بمقاله ... غر الأوائل والأواخر
ما أنت إلا كاسر ... كذب الذي سماك جابر
وبعض الناس ينكر وجود جابر هذا، إلا أنه بعيد، لأن له تصانيف كثيرة تدل على وجوده ومهارته في صنعها. قال أبو الفرج الأصبهاني، صاحب (الأغاني) ، في ترجمة خالد بن يزيد بن معاوية: وكان من رجالات قريش سخاء وعارضة وفصاحة، وكان قد شغل نفسه بطلب الكيمياء، فأفنى بذلك عمره، وأسقط نفسه. وحدثني من أثق به ممن كان يطلع على أحوال الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد، رحمه الله، أنه كان مغرى بالكيمياء، وأنفق فيها مالًا وعمرًا. وقيل: أن امام الحرمين رحمه الله، مات وهو يفك وصلًا من أوصالها، فخرج إليه منه لسان نار فقتله. وكان شمس الدين شيخ الربوة، المعروف (بابن أبي طالب) ، يقول: زعم بعضهم أن (المقامات) للحريري، وكتاب (كليلة ودمنة) رموز في الكيمياء؛ سمعته يقول ذلك غيرة مرة. وكل ذلك من شغفهم وكلفهم بحبها. نسأل الله العفو والعافية. والعجب من أحوالهم أنهم يطلبون الدنيا بالكيمياء، ولا يزيدهم ذلك إلا فقراُ ومتربة.
يحكى: أن واحدًا سأل من أحد مشايخ هذه الصنعة أن يعلمه هذه، وخدمه على ذلك سنين كثيرة، فقال: ان من شروط تعليم هذه الصنعة، تعليمها لأفقر من في البلد، فاطلب رجلًا لا يكون أفقر منه في البلد، حتى نعلمه وأنت تبصرها. فطلب مدة رجلًا مثل ما ذكره، فوجد رجلًا يغسل قميصًا له في غاية الرداءة والدرن، وهو يغسله بالرمل ولم يقدرعلى قطعة صابون، فقال في نفسه: لم أر فقيرًا يغسل ثوبه إلا ويجد صابونًا، فأخبر الرجك بأني وجدت رجلًا وصفه كيت وكيت، وحاله كذا وكذا، ولم أر أفقر منه، فقال ذلك الرجل: والله أن الذي وصفته هو شيخنا جابر بن جيان، الذي تعلمت من الصنعة، وبكى وقال: أن من خاصية هذه الصنعة، أن الواصلين إليها يكونون مفلسين في غاية الافلاس. كما نقل عن الشافعي، رحمه الله: أن من طلب المال بالأكسير فقد أفلس. ولقد صدق فيه إلا أنهم يقولون: أن حب الدنيا يرتفع عن قلب من عرفها، فلا يؤثر التعب في تحصيلها، الراحة في تركها، حتى قالوا: إن