معرفة هذه الصنعة نصف السلوك، لأن نصف السلوك لرفع محبة الدنيا عن القلوب، وذلك يحصل بمعرفعتها أي حصول.
إذا عرفت هذا فاعلم: أن أصل هذه الصنعة، أن الفلزات، وهي الجواهر التي لا تحرقها النار بل تذيبها، فإذا فارقتها النار عادت إلى الحالة الأولى، وهي هذه المنطرقات السبع، وهي: الذهب، والفضة، والنحاس، والحديد، والقصدير والرصاص، والخارصيني، واحدة في ذواتها؛ والإختلاف الذي فيها، ليس في ماهياتها، وإنما هو في أعراضها، وتلك الأعراض أما مفارق سهل الإنتقال، و يشبه أن يكون حال الذهب والفضة، ونسبة أحدهما إلى الآخر منها، وأما لازم عسر الإنتقال، وعلى كل تقدير داخلة تحت الإمكان، إلا أنها من الممكن الذي يعسر وجوده بالفعل وكيف لا يعسر، والصنعة لا تقوم مقام فعل الطبيعة، مع أن في الطبيعة أيضًا شرائط كثيرت بحيث يندر اتفاقها. ولهذا يندر الذهب والفضة في المعادن، فضلأ عن وجودها في الصنعة، وذلك أن الزيبق الذي هو أصل الذهب والفضة، ينبغي أن يكون في المعدن صافيًا غاية الصفاء، و يكمل نضجه، ثم يختلط به الكبريت النقي، بان يكون أجزاؤهما على النسبة الأصلية. و ينبغي أن تكون حرارة المعدن في غاية الإعتدال، لم يعرض لها عارض من البرد واليبس، ولا شيء من الملوحات والمرارات والحموضات، فحينئذ ينعقد من ذلك على طول الزمان - بإذن الفاطر الحكيم والقادر العليم - الذهب الأبريز. وعلى هذا القياس سائر الجواهر فتبارك الله الفعال لما يريد. فأنظر أنت وتأمل بالإنصاف، أن الإنسان، وإن بلغ في العلم والحكمة غاية لا يمكن للبشرأن يبلغ فوقها، هل يقدرأن يراعي تلك الشرائط، على وفق ما يوجد في المعدن، وهل هذا إلا ضرب في حديد بارد، سيما مراعاة النار على القدرالذي ينبغي له، قريب من درجة الإمتناع. قال بعضهم وعمل الزجاج والفراريج بالديار المصرية، مما يطع العقول في عمل الذهب.
واعلم: أن المعتنين بشان هذا الأمر طوائف:
(منهم) من جمع بين الزئبق والكبريت الطاهر، ودبره بالنارأشد من حرارة المعدن، طلبًا لقرب المدة، ليحصل في مدة قريبة، ما لا يحصل في المعدن في