وقال آخر:
إذا لم تكن حافظً واعيا ... فجمعك للكتب لا ينفع
أتحضر بالجهل في مجلس ... وعلمك في البيت مستودع
وقيل: لا بد أن يكون مع الطالب محبرة في كل وقت، حتى يكتب ما يسمع من الفوائد. قيل: ما حفظ فر وما كتب قر. وروى عن الأستاذ ركن الإسلام المعروف بالأديب المختار: أنه روى عن هلال بن يسار، قال: رأيت النبي صلى الله عليه وسلم، يقول لأصحابه شيئًا من العلم والحكمة، فقلت: يا رسول الله، أعد لي ما قلت لهم، فقال لي: هل معك محبرة، فقلت: ما معي محبرة، فقال: يا هلال، لا تفارق المحبرة، فإِن الخير فيها وفي أهلها إلى يوم القيامة. ووصى الصدر الشهيد حسام الدين، لابنه شمس الدين، رحمهما الله تعالى: أن يحفظ كل يوم شيئًا من العلم والحكمة، فإِنه يسير، وعن قريب يكون كثيرًا. واشترى عصام بن يوسف قلمًا بدينار ليكتب ما سمع في الحال. فالعمر قصير والعلم كثير. . فينبغي أن لا يضيع الأوقات والساعات و يغتنم الليالي والخلوات، وينبغي أن يغتنم الشيوخ ويستفيد منهم. وليس كل ما فات يدرك. قال الشاعر:
ولست بمدرك ما فات مني ... بلهف ولا بليت ولا لو أني
الوظيفة العاشرة
أن تعرف معنى شرف العلم ورتبته ووثاقته في البرهان. أما الشرف: فإما بشرف ثمرته؛ أو بوثاقة دلائله. والأول: كعلم الدين، فإِن ثمرته الحياة الأبدية التي لا آخر لها، فكان أشرف من الكل. والثاني: كعلم الطب، فإن ثمرته حياة البدن إلى غاية
الموت. فعلم الدين أشرف من علم الطب أيضًا، وعلم الطب أشرف من علم الحساب باعتبار غايته وثمرته، فإن صحة البدن أشرف من معرفة كمية المقادير، وعالم الحساب أشرف منه بحسب وثاقة دلائله، لكونها ضرورية غير محتاج إلى تجربة بخلاف الطب.
ثم ان الشرف لما كان من جهة الثمرة تارة، ومن جهة قوة الدليل أخرى، فاعلم أن شرف الثمرة أولى من شرف قوة الدلالة. فأشرف العلوم ثمرة العلم