فهرس الكتاب
واعلم: أن الانسان لما كان مدنيًا بالطبع، وكان أشخاصه - الا شرذمة من عصمهم الله، وقليل ما هم - مجبولين على جلب المنافع، ودفع المضار، بحيث يريدون أخذ ما في أيدي الآخرين بقوته الشهوية، ودفع ما يزاحمه في ذلك بقوته الغضبية، وكان ذلك مؤديًا الى التقاتل والتناحر، ولا أقل من العداوة والشحناء، المنافية هذه الأمور الى قضية التمدن والاجتماع، وعمارة المدن في الأصقاع، اقتضت الحكمة الالهية وضع قوانين متعلقة بجميع الأشخاص على العموم، بحيث لا يختص بشخص شخص، ولا بطائفة طائفة، بل كل الطوائف والأمم سواسية في هذه - السياسة، والقانون الجاري بطريق التعادل.
ثم ان هذه القوانين، لابد وأن يؤخذ من انسان يعلمه الله تعالى بواسطة الملك، و يؤيده من عنده بالمعجزات الناقضات للعادات، ليصدقه الكل، إذ من له قوة قدسية حكمة تامة، لا يحتاج الى المعجزات الحسية في تصديقه، بل يقول:
لولم يكن فيه آيات مبينة كانت بديهته تنبيك عن خبره
وبالجملة: لا يحتاج الى المعجزات الحسية، بل يكتفي بمعجزاته الباطنية. وأما من هو نازل عن هذه الدرجة - بمرتبة أو بمراتب - يحتاج الى معجزة حسية، أما مرة أو مرات، بحسب قوة جهله أو ضعفه.
ومنهم: من يلتحق بمنزلة الحيوان بل الجماد، أو يغلب على طبعه العناد لا