فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 1503

لأن التعريض يؤثر في الزجر، والتصريح ربما يغرى بالمنهي عنه، قال صلى الله عليه وسلم: (لو نهى الناس عن فت البعر لفتوه، وقالوا: ما نهينا عنه إلا وفيه شيء) . و ينبه على ذلك (قصة آدم وحواء) وما نهيا عنه ولذا قيل: الإنسان حريص على ما منع. وقد قيل: رب تعريض أبلغ من التصريح، إذ التعريض لا يهتك حجاب الهيبة، والتصريح يرفعه بالكلية، فيستفيد المنهي جرأة على المخالفة إذا اضطر إلى المخالفة له مرة أخرى. ولقد شاهدنا هذا الأمر في المولى الوالد روح الله روحه، حيث ما قابلنا في أمر بتصريح، بل كان يعرض وكنا ننزجر عن ذلك الأمر فوق ما ينزجر الناس عن التصريح.

وينبغي أن يكون ناصحًا لهم، ومتواضعًا لهم مع الوقار، صابرًا على تعليمهم في أكثر النهار، ومحرضًا على كسب العلوم، ومشفقًا عليهم، ومتحملًا منهم ما يصدر عنهم من الهفوات، وناظرًا في أحوالهم الدنيوية والأخروية، يبر حقوقهم بقدر وسعه وطاقته.

الوظيفة السادسة

أن يبدأ في التعليم ما يهم المتعلم في الحال، أما في معاشه، أو في معاده، و يعين له ما يليق بطبعه من العلوم، إذ كل ميسر لما خلق له، و يراعى الترتيب الأحسن في ترتيب العلوم حسبما تقتضيه رتبتها. ولا ينبغى أن يرقيهم من الجلي إلى الدقيق ومن الخفي إلى الظاهر دفعة وفي أول رتبة، بل على قدر الاستعداد، اقتداء بمعلم البشر كافة ومرشدهم قاطبة، حيث قال: (أنا معشر الأنبياء أمرنا أن ننزل الناس منازلهم ونكلم الناس بقدر علومهم) . وقال علي رض الله عنه وأومى إلى صدره: ان هاهنا لعلومًا جمة لو وجدت لها حملة. وقال صلى الله عليه وسلم: (كلموا الناس بما يعرفون ودعوا ما ينكرون. أتريدون أن يكذب الله ورسوله) . وقال تعالى: (وَلَوْ عَلِمَ الله فيهم خيراَ لأسْمَعَهُمْ) . وسئل بعض المحققين عن شيء فاعرض، فقال السائل أما سمعت قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من كتم علمًا نافعًا جاء يوم القيامة ملجمًا بلجام من نار) ، فقال أترك اللجام واذهب، فإن جاء من يفقه،

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت