فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 1503

لهم ما يحتمله فهمهم، ولا يذكر للمتعلمين أن وراء ما ذكر لهم تحقيقًا وتدقيقًا أدخره عنهم، فإِن ذلك يفتر فهمهم في تلقف ما ألقى اليهم، بل يخيل اليهم أن ما ذكرلهم كل المقصود، ثم إذا استقل به رقي إلى غيره.

وعلى هذا القياس، ينبغي أن تجنب أسماع العوام المتشرعين عن كلمات الصوفية التي يعجزون عن تطبيقها بالشرع، فإِن ذلك يؤدي إلى انحلال قيد الشرع عنهم، ولا يمكن لهم التطبيق بينه وبين الشرع، فينفتح عليهم باب الألحاد والزندقة، فينقلب شيطانًا مريدًا. كما نشاهد ذلك في بعض عوام زماننا المتتبعين لكلمات (الفصوص) وغيره، الغير المستأهلين لتحقيقها واتقانها.

فينبغي للمعلم أن يرشد العوام إلى علم العبادات الظاهرة وأن يملأ نفسهم إلى

الرغبة والرهبة، كما يفعله الوعاظ والمذكرون، وإن عرض لهم شبهة يعالج بكلام اقناعي وتقرير واضح عامي، ولا يفتح عليهم باب الحقائق، فإِن ذلك فساد النظام، وإن وجد ذكيًا ثابتًا على قواعد الشرع، ومستعدًا لدرك الحقائق العقلية والأسرار الإلهية، جاز أن يفتح له باب المعارف الربانية، بعد امتحانات متوالية وتجارب متتالية، حتى لا يتزلزل عن جادة الشرع، بجمع بينه و بين الحقائق، وماذا بعد الحق إلا الضلال.

وقد أسلفنا أن السلف كانوا يختبرون المتعلم في أخلاقه، فإِن وجدوه مهذب الأخلاق، اشتغلوا بتعليمه، وإلا منعوه أشد المنع، خيفة من أن يقصر في الفهم، فيفسد به دينه ودين غيره. ولهذا قالوا: نعوذ بالله من نصف فقيه ونصف طبيب، فإن الأول يفسد الدين والثاني يفسد البدن.

وإذا انتهى الكلام إلى هذا المقام، فانا أوصيك وصية عمل من طب لمن حب، لعلك تنتفع بها وتدعو لي بخير، وهي: أن الواجب عليك أيهما الطالب للحق، والراغب في الصدق، أن لا تنكر أولياء الله تعالى، فإِنهم الوسيلة بينك وبين الله تعالى، والخليفة من حضرة رسول الله صلى الله عليه وسلم.

فإِذا كنت في المدارج غرا ... ثم أبصرت حاذقًا لاتمار

لا تكن منكرًا فثم أمور ... لطوال الرجال لا للقصار

فإذا لم تر الهلال فسلم ... لأناس رأوه بالأبصار

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت