فهرس الكتاب
والواجب تسليم أحوال القوم اليهم فإِنا لا نأخذ أحدًا إلا بحرمة ظاهرة، ومتى أمكننا تأو يل كلامهم، وحمله على محمل حسن، لا نعدل عن ذلك، لا سيما من عرفمنا منهم الخير ولزوم الطريقة، ثم لو بدرت لفظة عن غلطة أو سقطة فإِنها لا تهدم عندنا ما مضى. وقد جربنا فلم نجد فقيهًا ينكرعلى الصوفية، إلا ويهلكه الله، ويكون عاقبته وخيمة، كما أنه لم نجد جنديًا يهزأ بالفقهاء، إلا ويهلكه الله، و يكون
عاقبته شديدة. والصوفية هم أهل القلوب، فهم أهل الله تعالى وخاصته، نفعنا الله تعالى بهم، وأكثر من يقع فيهم لا يفلح. هذا حاصل ما ذكره السبكي رحمه الله تعالى.
الوظيفة الثامنة
ينبغي أن لا يخالف قوله فعله، بل يأمربما هو أول عامل به، إذ لو أكذب مقاله بحاله ينفر الناس عنه وعن الإسترشاد به، لأن أكثر الناس مقلدون ينظرون إلى حال القائل. والمحقق الذي لا ينظر إلى القائل، بل يقصر النظر إلى ما قاله، فهو نادر، فليكن عنايته بتزكية أعماله، أكثر منه بتحسين علمه ونشره. وإذا زجر الطبيب عما يتناوله، يحمل على الهزء والسفه، أو يتهم على علمه وصدقة، أو يحمل على أنه يريد أن يستأثر به، فينقلب النهي إغراء وتحريضًا. كذلك العامي إذا رأى العالم الغير العامل، فهو بين أن يحمله على الكذب، أو أنه يعرف حيلة فعله، ويحضنا بالنهم عنه، أو يحمله على السمعة والرياء، نعوذ بالله من افات التساهل في العمل. قال النبي صلى الله عليه وسلم: (أشد الناس عذابًا عالم لم ينفعه الله بعلمه) . وعنه صلى الله عليه وسلم: (أول ما يسعر يوم القيامة رجل عالم فينزلق لسانه، فيدور فيها كما يدور الحمار مع الرحى، فيجتمع إليه أهل النار فيقولون: يا هذا، أليس كنت تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) . وفي الحديث أيضًا: أن أشد الناس حسرة يوم القيامة: رجلان. رجل علم علمًا فيرى غيره يدخل الجنة بعلمه لعمله به، وه يدخل به النار لتضييعه العمل به، ورجل جمع المال من غير وجهه وتركه لوارثه فعمل به الخير، فيرى غيره يدخل به الجنة وه ويدخل به النار. وكان الشيخ أبو إسحاق الشيرازي يستعيذ بالله من هذا العلم حيث كان يقول: نعوذ بالله من علم يكون حجة علينا، وينشد: