فهرس الكتاب
حفظه، وإذا قام إلى الصلاة، أخذ يتفكر في باب الحيض ودقائق الجنابات، و يعتذر في ذلك ويقول: طلب العلم افضل من صلاة النافلة، وأن الخشوع ليس من شرائط صحة الصلاة. مع أنه روى عن الأستاذ أبي علي الدقاق أنه كان يقول: من استهان بأدب من آداب الإسلام، عوقب بحرمان السنة، ومن ترك سنة عوقب بحرمان الفريضة، ومن استهان بالفرائض قيض الله مبتدعًا يوقع عنده باطلًا فيوقع في قلبه شبهة. أنظر أيها الطالب إلى أين انتهى ترك الأدب والنوافل.
ولا بد للعالم من الورع ليكون علمه أنفع وفوائده أكثر. روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، أنه قال: (من لم يتورع في تعلمه ابتلاه الله بإحدى ثلاثة أشياء: أما أن يميته في شبابه، أو يوقعه في الرساتق، أو يبتليه بخدمة السلطان) .
ومن الورع: أن يتحرز عن الشبع وكثرة النوم، وكثرة الكلام فيما لا يعنيه، وعن أكل طعام السوق، فإنه أقرب إلى النجاسة والخباثة والغفلة وأبعد عن ذكر الله، ويذهب بركته بوقوع أبصار المحاويج والفقراء. وينبغي أن يتحرز عن الغيبة ومجالسة المكثار، وقيل: من أكثر الكلام يسرق عمره ويضيع أوقاته؛ ويجتنب من أهل الفساد والمعاصي وأهل العطلة، إذ المجاورة مؤثرة. و ينبغي أن يختلط مع صاحب الطبع المستقيم والأذكياء، ويفر من الكسلان والمفسد والفتان.
شعر:
عن المرء لا تسأل وأبصر قرينه ... وكل قرين بالمقارن يقتدي
ومن العلماء من يستهين بصغائر الذنوب، كالغيبة، والاستهزاء بخلق الله تعالى، وغير ذلك، وكان له معصية ابتلاه الله بها فلم يستتر وقال: علمنا يغطي معصيتنا. وهذا جهل لا علم، إذ المعصية سترها واجب سيما من العالم لأنه يقتدى به. ولذلك كان بعض العارفين لا يظهر لتلميذه إلا على أشرف أحواله خوفًا أن يقتدى به. فينبغي للعالم الكف عن صغار المعاصي فضلًا عن كبارها، فإن هو لم يكف، فلا أقل من التستر صيانة لمنصب العلم الجليل. ومن جملة أحوالهم الشنيعة: أن يطعنوا في أمة قد سلفت، والاشتغال بعلماء قد مضوا، سيما