فهرس الكتاب
قال ابنه صالح: ثم خلى عن أبي، فصار إلى منزله، وكان مكثه في السجن وضربه إلى أن خلى عنه ثمانية وعشرين شهرًا.
وروي انه لما ضرب سوطًا قال: بسم الله، فلما ضرب الثاني قال: لا حول ولا قوة الا بالله، فلما ضرب الثالثة قال: القرآن كلام الله غير مخلوق، فلما ضرب الرابعة قال: قل لن يصيبنا الا ما كتب الله لنا، فضربه تسعة وعشرين سوطًا، وكانت تكة أحمد حاشية ثوب فانقطعت، فرمى بطرفه إلى السماء، وحرك شفتيه، فما كان بأسرع من ثبوت السراويل على حالته لم يتزحزح.
قال الراوي: فدخلت عليه بعد سبعة أيام، فسألته: ما الذي قلت حين حركت شفتيك، قال: قلت: اللهم إني أسألك باسمك الذي ملأت به العرش، إن كنت تعلم أني على الصواب فلا تهتك لي سترًا، وفي رواية قال: قلت: الهي وسيدي، وقفتني هذا الموقف، فلا تهتكني على رؤوس الخلائق.
وروي أنه كان كلما ضرب سوطًا أبرأ ذمة المعتصم، فسئل فقال: كرهت أن آتي يوم القيامة فيقال: هذا غريم ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم أو رجل من أهل ببت النبي صلى الله عليه وسلم. فهذا مختصر من حال الإمام أحمد في المحنة.
وأمما الأستاذ أحمد بن نصر الحزاعي ذو الجنان واللسان، والثبات عند اضطراب المهند والسنان، كان شيخًا جليلًا قوالًا بالحق، أمارًا بالمعروف، نهاء عن المنكر، وكان من أولاد الأمراء، وكانت محنته على يد الواثق. قال له: ما تقول في القرآن، قال: كلام الله، وأصر على ذلك غير متلعثم، فقال بعض الحاضرين: هو حلال الدم، فقال ابن أبي دؤاد: يا أمير المؤمنين، شيخ مختل، لعل به عاهة وتغر عقل، يؤخر أمره ويستتاب، فقال الواثق: ما أراه إلا مؤذنًا لكفره، قائمًا بما يعتقده منه، ثم دعا بالصمصامة، وقال: إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي، فإِني احتسب خطئي إلى هذا الكافر الذي يعبد ربًا لا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها. ثم أمر بالنطع وأجلس عليه وهو مقيد، وأمر بشد رأسه بحبل، وأمرهم أن يمدوه، ومشى إليه فضرب عنقه، وأمر بحمل رأسه