فهرس الكتاب
سنة أربع وثلاثين ومائتين، فرفعها المتوكل، ونهى عن القول بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الآفاق، وتوفر دعاء الخلق له، وبالغوا في الثناء عليه والتعظيم له حتى قال قائلهم: الخلفاء ثلاثة: أبو بكر الصديق يوم الردة، وعمر بن عبد العزيز في رد المظالم، والمتوكل في أحياء السنة.
ومن جملة أسباب رفع الفتنة، أن الواثق أتى بشيخ مقيد، فقال له ابن أبي دؤاد: يا شيخ، ما تقول في خلق القرآن، قال: هذا الذي تقول، شيء علمه رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم أو جهلوه، فقال: بل علموه، فقال: فهل دعوا إليه الناس كما دعوتهم أنت أو سكتوا، قال: بل سكتوا، قال: فهل (لا) وسعك ما وسعهم من السكوت، فسكن ابن أبي دؤاد، واعجب الواثق كلامه، وأمر بإطلاق سبيله. وقام الواثق من مجلسه وهو يقول: فهل (لا) وسعك ما وسعهم، يكرر هذه الكلمة. ولكن كان رفع الفتنة بالكلية في يد المتوكل كما أن ابتداءها في يد ا لمأمون.
يقال أن المأمون، وهو عبد الله بن هارون الرشيد، كان معتنيًا بالفلسفة وعلوم الأوائل ومهر فيها، فجره ذلك إلى الفول بخلق القرآن، وإلا فهو بارع في الفقه والعربية وأيام الناس، وكان ذا حزم وعزم وعلم وحلم ودهاء وذكاء وهيبة وفطنة وفصاحة ودين وشرع متين. قيل: ختم في رمضان ثلاثًا وثلاثين ختمة، وحدث يومًا في المنبر نحو ثلاثين حديثًا بسنده، ثم قال ليحيى بن أكثم: يا يحيى، إنما المجالس لأصحاب الخلقان والمحابر. وكان كثير العفو والصفح. وكان يقول: لو عرف الناس حبي للعفو، لتقربوا الي بالجرائم، وأخاف أن لا أؤجر فيه، يعني أن العفو كان طبعًا له.
ولسنا نستوعب ترجمة المأمون في هذه الأوراق، مع أن كتابنا غير موضع له، إلا أنه كان دخيلًا في علم الأوائل، فجره نقصه فيه إلى القول بخلق القرآن، وجره قلة معرفة الفقه إلى إباحة متعة النساء، إلا أنه لم يرجع عن الأول، ورجع عن الثاني، بارشاد يحيى بن أكثم رحمه الله، إلى حديث يرويه