فهرس الكتاب
القلب كريم الخلق. فإن التقى والكرم ركنان بهما صلاح الرعية و يكون ناصحًا رحيمًا بهم مشفقًا عليهم لا يحتجب عن ذوي الخلات والفاقات ليلًا ونهارًا. و يكون دائم الاهتمام بأمن العامة في النوم واليقظة، في السفر والحضر. و يعدل بين الخصمين في لحظة وإشارته ومقعده وفي كلامه ويستعمل معهم الحلم و يكثر عنهم العفو والتجاوز ولا يعجل في تعذيب الجاني و يطلب له عن الجناية مخرجًا و يدرأ الحد عن الجاني بشبهته ويطلب مدفعًا فإِن خطأه في العفو خير من خطئه في العقوبة. ولا يقضي بين خصمين إلا وهو ريان وشبعان راض غير غضبان.
والأولى للقاضي أن يعين رزقه من بيت المال، لأنه مشتغل بحاجة المسلمين. وقيل: يأخذ قدر ما ينكح زوجة و يشتري به دابة وخادمًا ومسكنًا فإن أصاب أكثر من ذلك فهو غال وسارق. وجوزوا أن يأخذ الأجر على كتب السجلات بنفسه بقدر ما أخذ به غيره لأن ذلك ليس بواجب عليه.
وقيل: قاض يأخذ الأجر فإِنه لا يكون عاملًا بأجر لكنه يعمل لله تعالى. وله أن يستوفي حظه من مال الله تعالى. وكذلك العلماء والفقهاء وأرباب الافتاء يعملون لله تعالى ولهم أن يأخذوا حظهم من بيت المال، وكذلك معلم القرآن للناس. ويقول حين يجلس للقضاء: اللهم أني أسألك أن افتي بعلم وأقضي بحلم وأسألك العدل في الغضب والرضاء. ولا يقضي لأحد الخصمين حتى يسمع كلام الاخر ويفهمه على وجهه ليعرف وجه القضاء.
وأما آداب التذكير: فاعلم أن السلف كانوا لا ينتصبون للموعظة والتعليم وكانوا يعدون السكوت والاِستماع افضل من الكلام. والخمول أشرف من النباهة. وكانوا يودون أن صاحبه كفاه الحديث والجواب وان لم يكن له بد من ذلك فلا بد أن
يدعو الناس من خمس إلى خمس؛ من الشك إلى اليقين، ومن الرياء إلى الإِخلاص، ومن الرغبة إلى الزهد، ومن الكبر إلى التواضع، ومن العداوة إلى النصيحة.
و ينبغي: أن لا يخالف قوله فعله بل يأمر بما هو أول عامل به كما قيل:
لا تنه عن خلق وتأتي مثله ... عار عليك إذا فعلت عظيم