فهرس الكتاب
المهابة وهو متطلس، فرفع الوالي الكتاب إليه، فلما بلغ إلى قوله: إن محمد بن إدريس رجل شريف من أمه، حاله كذا وكذا، فرمى الكتاب من يده، وقال: سبحان الله، صار علم رسول الله، صلى الله عليه وسلم، بحيث يطلب بالرسائل، قال الشافعي: فقلت: أصلحك الله، أني رجل مطلبي من حالتي، وقصتي كذا وكذا، فلما سمع كلامي، نظر إلى ساعة، وكان لمالك فراسة، فقال لي: ما أسمك، قلت: محمد، فقال لي: يا محمد، اتق الله واجتنب المعاصي، فإنه سيكون لك شأن من الشأن، فقلت: نعم وكرامة، فقال: أن الله تعالى قد ألق على قلبك نورًا، فلا نطفئه بالمعاصي، ثم قال: إذا كان غدًا تجيء بمن يقرأ لك (الموطأ) ، فقلت: أني أقرأه من الحفظ. ورجعت إليه من الغد، وابتدأت بالقراءة، فلما أردت قطع القراءة خوفًا من ملاله، أعجبه حسن قراءتي، فيقول: يا فتى زد، حتى قرأته في أيام يسيرة، ثم أقمت بالمدينة إلى أن توفي مالك. وكان الشافعي إذا حكى شيئًا لمالك، يقول: هذا قول أستاذنا مالك. قال عبد الله بن أحمد بن حنبل: قلت لأبي: أي رجل كان الشافعي، فأني سمعتك تكثر الدعاء له، فقال لي: يا بني، كان الشافعي كالشمس للنهار، وكالعافية للناس، فأنظر، هل لهذين من خلف أو عنهما من عوض.
وقال أخوه صالح بن أحمد بن حنبل: جاء الشافعي يومًا إلى أبي يعوده، وكان عليلًا، قال: فوثب أبي إليه، وقيل بين عينيه، ثم أجلسه في مكانه، وجلس بين يديه، ثم أخذ يسأله ساعة، فلما قام الشافعي وركب، أخذ أبي بركابه ومشى معه، فبلغ يحيى بن معين ذلك، فقال: سبحان الله، لم فعلت ذلك، قال أبي: وأنت يا أبا زكريا، لو مشيت من الجانب الآخر، لانتفعت به، ومن أراد الفقه، فليشم ذنب هذه البغلة.
وقال أحمد بن حنبل: ما أعلم أحدًا أعظم منه على الإسلام في زمن الشافعي من الشافعي، وأني لأدعو له في أثار صلواتي: اللهم أغفر لي ولوالدي ولمحمد بن ادريس الشافعي.
وقال الحسين بن محمد الزعفراني: ما قرأت على الشافعي من الكتب شيئًا، إلا واحمد بن حنبل شاهد.