فهرس الكتاب

الصفحة 596 من 1503

وغربًا، جمع الله له من العلوم والمفاخر ما لم يجمع لإمام قبله ولا بعده، وانتشر له من الذكر ما لم ينتشر لأحد سواه، سمع مالك بن أنس، وسفيان بن عيينة، ومسلم بن خالد، وخلق كثير، حدث عنه أحمد بن حنبل، وأبو ثور إبراهيم بن خالد، وأبو إبراهيم المزني، والربيع بن سليمان المرادي، وخلق كثير غيرهم.

قدم بغداد سنة خمس وتسعين ومائة، وأقام بها سنتين، ثم خر إلى مكة، ثم قدمها سنة ثمان وتسعين ومائة، فأقام بها أشهرًا، ثم خرج إلى مصر، و (مات) بها عند العشاء الآخرة ليلة الجمعة، و (دفن) في يوم الجمعة بعد العصر، وكان آخر يوم من رجب سنة أربع ومائتين، وله أربع وخمسون سنة. قال الربيع: رأيت في المنام قبل موت الشافعي بأيام، أن آدم صلوات الله عليه مات، ويريدون أن يخرجوا بجنازته، فلما أصبحت، سألت بعض أهل العلم عنه، فقال: هذا موت أعلم أهل الأرض، لأن الله تعالى علم آدم الأسماء كلها، فما كان يسيرًا حتى مات الشافعي وقال المزني دخلت على الشافعي في علته التي مات فيها، فقلت: كيف أصبحت، قال: أصبحت من الدنيا راحلًا، وللأخوان مفارقًا، ولكأس المنية شاربًا، ولسوء أعمالي ملاقيًا، وعلى الله واردًا، فلا أدري روحي تصير إلى الجنة فأهنيها، أو إلى النار فأعزيها، ثم بكى وانشأ يقول:

ولما قسا قلبي وضاقت مذاهبي ... جعلت الرجا مني لعفوك سلما

تعاظمني ذنبي فلما قرنته ... بعفوك ربي كان عفوك أعظما

فمازلت ذا عفوعن الذنب لم تزل ... تجود وتعفو منة وتكرما

فلولاك لم يسلم من إبليس عابد ... وكيف وقد أغوى صفيك آدما

وقال أحمد بن حنبل: رأيت الشافعي في المنام، فقلت له: يا أخي، ما فعل الله بك، قال: غفر لي وتوجني وزوجني، وقال لي: هذا بما لم تزهى بما أرضيتك، ولم تتكبر فيما أعطيتك.

اتفق العلماء قاطبة، من أهل الفقه والأصول والحديث واللغة والنحو وغير

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت