فهرس الكتاب
وأعلاه: جمع ثوب الشهرة كمًا واختيار الأزين والألين كيفًا على ما عليه أبناء الدنيا والمقبلين على مزخرفاتها.
وأما المنكح: فاللائق بالسالكين إلى طريق الآخرة التجرد والصبر على مضض العزوبة لئلا يفضي إلى الحرمان عن المطلب الأعلى. قال أبو حنيفة رضي الله عنه في وصاياه لأبي يوسف رحمه الله: وأطلب العلم أولًا ثم أجمع المال من الحلال ثم تزوج فإِنك إن طلبت المال في وقت التعلم عجزت عن طلب العلم. إنما دعاك المال إلى شراء الجواري والغلمان وتشتغل بالدنيا والنساء قبل تحصيل العلم فإنه يضيع وقتك. ويجمع عليك الولد ويكثر عيالك. فتحتاج إلى القيام بحوائجهم
فتحرم العلم. فاشتغل بالعلم في عنفوان عمرك ووقت فراغ قلبك وخاطرك. ثم تجمع المال من الحلال. هذا كلامه.
ثم إن اللائق بالعوام العاملين و بأهل العرفان الكاملين التأهل و يفترض في العوام ان تاقت نفسه وإلا فيسن. وفي الكاملين مسنون لا غير. إذ ليس في أنفسهم التوقان إلى الأمور الدنيوية من حيث أنها شاغلة عن المطلب. وإنما يميلون إليها إقامة للسنة الواردة في قوله صلى الله عليه وسلم: (حبب لي من دنياكم ثلاث. النساء. والطيب. وقرة عيني في الصلاة) وتكثيرًا لسواد الإسلام وإبقاء لنسل الأنام و بالجملة: الصبر عن الدنيا ممدوح مهما أمكن. كما قال صلى الله عليه وسلم: (من صبح آمنًا في سره معافى في بدنه، وله قوت يومه فكأنما حيزت له الدنيا بحذافيرها) .
الرابع: أحوال الخرج والانفاق. فالمحمود منه: الصدقة المفروضة. والإِنفاق على العيال. ويحصل بهذين العدالة. ومنه ما يكسب به الحرية والفضيلة وهو إيثار الغير على النفس على الوجه المندوب إليه شرعًا. والمذموم: أما افراط وهو الإخلال بالأهم وصرفه إلى ما دونه وتفريطه المنع عن الواجبات بالكلية أو النقص من قدر الواجب.
ثم إن الناس اختلفوا في أن أخذ المال الحلال وإنفاقه على الوجه المشروع أولى أم تركه رأسًا ولا شك أن الإقبال على الدنيا بالكلية مذموم وإن أخذ من الحلال ووضعه في مرضعه. فالتارك بالكلية المقبل على الدنيا افضل منه بلا