فهرس الكتاب
أوليائه. وأما اختلال المزاج فإن وقع فيقبل العلاج لأنهم كما أنهم أطباء النفوس والأرواح. كذلك عارفون أحوال الأبدان والأشباح. فالرياضة على ما شرطوه من الآداب والأحوال. أمان من الفساد والاختلال. وخلاص من الأفزاع والأهوال.
يحكى: أن أهل الصين والروم في زمان قديم تباهوا في صناعة النقش والترسيم وطال بينهم النزاع والجدال ودار بينهم الكلام في النقص والكمال. حتى أدى الافتخار في هذا الشأن، إلى الاختبار والامتحان. فعين لكل من الطائفتين جدار بينهما حجاب ليتميز الكامل من الناقص في هذا الباب. فجمع أهل الصين من الأصباغ العجيبة والألوان الغريبة. وتكلفوا الصنايع النادرة والرسوم الباهرة حتى استفرغوا المجهود، في تحصيل المقصود. واشتغل أهل الروم عن الترسيم بالتصقيل وعرفوا أن ترك التحلية إلى التجلية هو التكميل. فلما كشف الغطاء وارتفع الحجاب لمعرفة الحال بين الأصحاب رأوا أن جانب أهل الروم تلألأ بجميع نقوش أهل الصين مع زيادة الصفاء، ولطافة الصقالة والجلاء. فهذا مثال العلوم النظرية والكشفية. والأول: يحصل من طريق الحواس بالكد والعناء. والثاني: يحصل من اللوح المحفوظ والملأ الأعلى.
إذا عرفت هذا. فاعلم: أن المحاكمة بين هذين الفريقين وتعيين الأفضل من الطريقين. هي أن العلوم مع تكثر فنونها وتعدد شجونها منحصرة في أربعة أنواع. وذلك لأن للأشياء وجودًا في أربع مراتب: في الأعيان، وفي الأذهان، وفي العبارة، وفي الكتابة. فالعلوم المتعلقة في الأول من حيث حالها في نفس الأمر هي العلوم الحقيقية التى لا تتبدل باختلاف الأزمان، وتجدد الملل والأديان. وهذه تسمى علومًا حكمية؛ ان جرى الباحث عن أحوالها فيها على مقتضى عقله، وعلومًا شرعية: ان بحث عنها فيها على قانون الإسلام. والعلوم المتعلقة بالثانية هي العلوم الالية المعنوية: كالمنطق ونحوه. والعلوم المتعلقة بالأخيرين هي العلوم الآلية: اللفظية والخطية. وهذه هي العلوم العربية المعتبرة في ديننا، هذا لورود شريعتنا هذه على لسان العرب وعلى كتابته. ثم ان