فهرس الكتاب
لا مطلق الخوف، فان من خاف من السبع لا يجله ولا يهابه وهذه تتولد من معرفة كونه تعالى غنيًا عن العالمين، بحيث لو أهلك الأولين والآخرين لم ينقص من ملكه ذرة، مع نفوذ قدرته وغلبة سطوته. ومن طالع ما يجري على الانبياء والأولياء من المصائب والبلاء - مع قدرته على معافاتهم - يعرف جلال الله تعالى وقهره، فيحصل من هذه المعرفة الهيبة.
ومنها علم الرجاء وهذا زائد على الهيبة، إذ كم من واحد يهاب ملكًا ولا يرجوه. والعبد ينبغي له أن يرجو ثواب الله تعالى بصلاته كما أنه يخاف بتقصيره عقاب الله. فسببه معرفة لطف الله وكرمه وعميم أنعامه ولطائف صنعه، ومعرفة صدقه في وعده الجنة للمصلي. فمن اليقين بلطفه وصدق وعده يتولد الرجاء، ويحمي إيمانه بين الخوف والرجاء الذي لا مهرب عن التوسط بينهما.
ومنها علم الحياء فهو زائد على الكل؛ إذ يمكن قصور التعظيم والخوف والرجاء لمن لا يتوهم التقصير والذنب وسببه استشعاره التقصير في العبادة، وعلمه بالعجز عن القيام بعظم حق الله عز وجل، سيما إذا عرف عيوب نفسه وآفاتها، وقلة إخلاصها، وخبث دخيلتها، وميلها الى الحظ العاجل، مع العلم بعظيم جلال الله، وبأنه مطلع على السريرة وخطرات القلب وان دقت وخفيت. وهذه المعارف إذا حصلت يقينًا، انبعث منها بالضرورة حالة تسمى الحياء.
وإذا عرفت أن هذه الثمرات أصلها حضور القلب، وأن سببه دفع الخواطر، وكان ذلك من صعاب الأمور للسالكين، فلا علينا أن نذكر ههنا بعضًا من علاج دفع الخواطر.
واعلم أن الخواطر أما حسي أو خيالي. فالأول ما يشغله من طرق الحواس الظاهرة، وأكثرها منعًا السمع والبصر؛ أما السمع: فكأن يشغل المصلي أصوات الطيور إذا صلى في حائط، أو سمع من ينشد شعرًا أو يقص شيئًا؛ وأما البصر: فكًان يشغله مَالَهُ وقْعٌ في قلبه وهو بمرأى في صلاته؛ أو يشغله شيء له